الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس “المسيح يحيا” من قداسة البابا فرنسيس إلى الشبيبة وإلى كلّ شعب الله

الإرشاد الرسولي

ما بعد السينودس

المسيح يحيا

CHRISTUS VIVIT

من قداسة البابا فرنسيس

إلى الشبيبة وإلى كلّ شعب الله

المسيح يحيا

1.               إن المسيح يحيا. هو رجاؤنا، وهو الشابّ الأجمل في هذا العالم. وكلّ شيء يلمسه يصبح شابًّا، ويصبح جديدًا، ويمتلئ بالحياة. بالتالي، إن أوّل كلمات أودّ أن أوجّهها لكلّ الشبيبة المسيحيّين هي: إنّه حيّ ويريدك أن تكون حيًّا!

2.               إنه فيك ومعك ولن يتركك أبدًا. ومهما ذهبت بعيدًا، إنه هناك بجانبك، هو القائم من الموت، يدعوك وينتظرك كي تعود إليه وتبدأ من جديد. عندما تشعر بأنك تشيخ من الحزن والاستياء والمخاوف والشكوك أو الفشل، سوف يكون معك كي يعطيك القوّة والرجاء.

3.               إلى جميع الشبيبة المسيحيّين، أكتب بمودّة هذا الإرشاد الرسولي، أي رسالة تذكّر ببعض قناعات إيماننا، وتشجّع في الوقت عينه على النموّ في القداسة وعلى الالتزام بالدعوة الشخصيّة. ولكن نظرًا لأنها علامة فارقة في المسيرة السينودية، أتوجّه في نفس الوقت إلى شعب الله بأسره، إلى رعاته ومؤمنيه، كيما يستحثّ التفكيرُ حول الشبيبة ومن أجل الشبيبة جميعَنا ويحفّزنا. لذلك، سوف أتحدّث مباشرة إلى الشبيبة في بعض الفقرات، وسأقدم في فقرات أخرى، المزيد من المناهج العامة من أجل التمييز الكنسي.

4.               لقد استلهمت من غنى تأمّلات وحوارات سينودس العام الماضي. لا أستطيع أن أجمع هنا كلّ هذه المساهمات، التي يمكنكم قراءتها في الوثيقة النهائية، لكني حاولت، في كتابة هذه الرسالة، أن أَقتبس الاقتراحات التي بدت أكثر أهمّية بالنسبة لي. وبهذه الطريقة، سوف تحمل كلمتي الآلاف من أصوات المؤمنين من جميع أنحاء العالم الذين أرسلوا آراءَهم حول السينودس. حتى الشبيبة غير المؤمنين، الذين أرادوا المشاركة بتأمّلاتهم، قد طرحوا أسئلة أثارت فيّ تساؤلات جديدة.

الفصل الأول

ماذا تقول كلمة الله حول الشبيبة؟

5.               لنسترجع بعض كنوز الأسفار المقدّسة، التي تتحدّث كثيرًا عن الشبيبة، وعن كيف يذهب الربّ للقائهم.

 

في العهد القديم

6.               في عصر لم يكن للشبيبة فيه أهمّية كبرى، تبيّن بعض النصوص أن نظرة الله لهم كانت مختلفة. نرى على سبيل المثال أن يوسف كان أصغر إخوته (را. تك 37، 2- 3). لكن الله وهبه أشياء عظيمة في الحلم، وتجاوز جميع إخوته في مهامّ عظيمة كان عمره حوالي عشرين سنة (را. تك 37- 47).

7.               نرى في جِدْعُون صدق الشبيبة، الذين لم يعتادوا على “تجميل” الواقع. عندما قيل له إن الربّ معه، أجاب: “إِن كانَ الرَّبُّ مَعَنا، فلِماذا أَصابَنا هذا كلُه؟” (قض 6، 13). لكن الله لم ينزعج من هذا اللوم بل ضاعف الرهان عليه: “اِنطَلِقْ بِقُوَّتِكَ هذه وخَلِّصْ إِسْرائيلَ” (قض 6، 14).

8.               صموئيل كان شابًّا متردّدًا، لكن الربّ تواصل معه. وبفضل نصيحة رجل راشد، فتح قلبه كي يسمع دعوة الله: “تَكلَمْ، يا رَبّ، فإِنَّ عَبدَكَ يَسمعَ” (را. 1 صم 3، 9- 10). ولذا كان نبيًّا عظيمًا تدخّل في لحظات مهمّة من تاريخ وطنه. الملك شاول أيضًا كان شابًّا حين دعاه الربّ لإتمام رسالته (را. 1 صم 9، 2).

9.               حين أُختير داود ملكًا كان شابًّا. عندما كان النبي صموئيل يبحث عن ملك إسرائيل التالي، قدّم له رجلٌ أبناءه الأكبر سنًّا والأكثر خبرة كمرشّحين. لكن النبيّ قال أن المختار هو الفتى داود، الذي كان يرعى الغنم (را. 1 صم 16، 6- 13)، لأن “الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب” (آية 7). مجد الشباب يكمن في القلب لا في القوّة الجسديّة أو في الانطباع الذي يتركه المرء في الآخرين.

10.          عندما اضطرّ سليمان إلى أن يخلف والده، شعر بالضياع وقال لله: “أَنا صَبِيٌّ صَغيرُالسِّنِّ، لا أَعرِفُ ان أَخرُجَ وأَدخُل” (1 ملوك 3، 7). ولكن، جرأة الشباب دفعته ليطلب من الله الحكمة، وكرّس نفسه لرسالته. وحدث شيء مماثل للنبي إرميا، الذي دعي إلى إيقاظ شعبه عندما كان صغيرًا جدًّا. في خوفه قال: “آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن آتكلَمَ لِأَنِّي وَلَد” (إر 1، 6). لكن الربّ طلب منه ألّا يقول ذلك (را. إر 1 ، 7)، وأضاف: “لا تَخَفْ مِنُ وُجوهِهم فإِنِّي مَعَكَ لِأُنقِذَكَ” (إر 1، 8). ويُظهر تكرّس النبيّ إرميا لمهمّته، ما يمكن أن يحدث إذا ما اتّحدت نضارة الشباب بقوّة الله.

11.          الفتاة اليهوديّة التي كانت في خدمة العسكري الأجنبيّ نعمان، تدخّلت بإيمان لمساعدته على التعافي من مرضه (را. 2 ملوك 5، 2- 6). ومثّلت روث الشابّة، مثالاً على الكرم في البقاء مع حماتها التي كانت غمرتها المصائب (را. 1، 1- 18)، كما وأظهرت جرأتها على المضيّ قدمًا في الحياة (را. روث4 ، 1- 17).

في العهد الجديد

12.          يروي أحد أمثال يسوع (را. لو 15، 11- 32) أن الابن “الأصغر” أراد أن يترك بيت أبيه ويذهب إلى بلد بعيد (را. آيات 12- 13). لكن أحلامه بالحرّية تحوّلت إلى فسوق وفجور (را. آية 13) واختبر قسوة الشعور بالوحدة والفقر (را. آيات 14- 16). إنما، عرف كيف يعيد التفكير كي يبدأ من جديد (را. آيات 17- 19) وقرّر النهوض (را. آية 20). فمن ميزات القلب الشابّ أن يكون مستعدًّا للتغيير، وأن يكون قادرًا على النهوض من جديد وعلى أن يدع الحياة تعلّمه. فكيف لا يرافق الابن في هذه المحاولة الجديدة؟ لكن قلب الأخ الأكبر كان قد شاخ، وسمح بأن يسيطر عليه الجشع، والأنانيّة والحسد (را. آيات 28- 30). أمّا يسوع فيمدح الشابّ الخاطئ الذي يتخّذ الطريق الصحيح، أكثر من الذي يعتقد بأنّه أمين ولكنّه لا يعيش روح المحبّة والرحمة.

13.          إن يسوع، الأزليّ الشباب، يريد أن يهبنا قلبًا دائم الشباب. وتطلب منّا كلمةُ الله: “طَهِّروا أَنفُسَكُم مِنَ الخَميرةِ القَديمة لِتَكونوا عَجينًا جَديدًا” (1 قور 5، 7). وتدعونا في الوقت عينه، لأن “نخلع الإنسان العتيق” (قول 3، 9) كي نلبس “الإنسان الجديد” (قول 3، 10)[1]. وعندما يشرح ما يعني أن نلبس “الشباب” الذي “يُجَدَّدُ” (نفس المرجع)، يقول إنه التحلّي بـ “عَواطِفَ الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْر، محتَمِلين بعضنا البعض، وصافحين بَعضنا عن بَعضٍ إِذا كانَت لأَحَدٍ شَكْوى مِنَ الآخَر” (را. 3، 12- 13). هذا يعني أن الشباب الحقيقيّ هو امتلاك قلب قادر على المحبّة. من ناحية أخرى، إن ما يجعل الروح تشيخ إنّما هو كلّ ما يفصل بيننا وبين الآخرين. ولذا فهو يختتم قائلا: “البَسوا فَوقَ ذلِك كُلِّه ثَوبَ المَحبَّة فإنَّها رِباطُ الكَمال” (قول 3، 14).

14.          نشير إلى أنه لا يروق ليسوع أن ينظر البالغون نظرةَ ازدراءٍ إلى الأصغر سنًّا أو أن يضعوهم في خدمتهم بطريقة استبدادية. لا بل يطلب: “لِيَكُنِ الأَكبَرُ فيكم كأَنَّه الأَصغَر” (لو 22، 26). فبالنسبة له، ليس للعمر امتيازات، ولا يعني أن الشخص الأصغر سنًّا هو أقلّ قيمة أو أقلّ كرامة.

15.          تقول كلمة الله إنه يجب معاملة الشباب “كإخوة” (را. 1 طيم 5، 1)، ويوصي الآباء: “لا تُغيظوا أَبناءَكم لِئَلاَّ تَضعُفَ عَزيمَتُهم” (قول 3، 21). لا يمكن للشابّ أن يكون محبطًا، فمن خصائصه أن يحلم بأمور عظيمة، وأن يبحث عن آفاق واسعة، وأن يجرؤ على المزيد، وأن يرغب في أن “يغزو” العالم، وأن يكون قادراً على قبول الاقتراحات الصعبة، وأن يكون لديه الإرادة في المساهمة بأفضل ما لديه لبناء شيء أفضل. ولهذا السبب أحثّ الشبيبة على عدم السماح بأن يُسلَبَ منهم الرجاء، وأكرّر لكلّ منهم: “لا يَستَخِفَّنَّ أَحَدٌ بِشَبابِكَ” (1 طيم 4، 12).

16.          غير أن كلمة الله، في الوقت عينه، توصي الشبّان: “اِخضَعوا لِلشُّيوخ” (1 بط 5، 5). تدعو الأسفار المقدّسة دائمًا إلى إحاطة المسنين باحترام عميق، لأنهم يحملون إرثًا من الخبرة، وقد اختبروا النجاح والفشل، وأفراح الحياة ومعاناتها الكبيرة، والأوهام وخيبات الأمل، ويحفظون في صمت قلوبهم، الكثير من القصص التي يمكن أن تساعدنا على ألّا نقع في الخطأ أو نخدع أنفسنا بسراب زائف. تدعو كلمةُ رجل مسنّ حكيم إلى احترام حدود معيّنة وإلى السيطرة على الذات في الوقت المناسب: “عِظِ الشُّبّانَ كذلِك لِيَكونوا رِصانًا في كُلِّ شَيء” (طي 2، 6). ليس من الجيّد أن نقع في “عبادة الشباب”، أو في موقف شابّ يحتقر الآخرين بسبب عمرهم، أو لأنهم من زمن آخر. قال يسوع أن الشخص الحكيم يعرف كيف يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم (را. متى 13، 52). والشابّ الحكيم ينفتح على المستقبل، ولكنّه قادر على الاحتفاظ بشيء ما من تجربة الآخرين.

17.          نجد في إنجيل مرقس، رجلًا يستمع إلى يسوع يتكلم عن الوصايا، ويقول: “هذا كُلُّه حَفِظْتُه مُنذُ صِباي” (10، 10). قد ورد في المزمور الشيء نفسه: “إِنك أَنت أَيُّها السّيدُ رَجائي وأَنت أَيُّها الرّب مُنذ صِبايَ مُعتمَدي… أَللّهُمَّ مُنذُ حَداثَتي أَنتَ عَلَّمتَني وللأَبَدِ أُخبِر بِعَجائِبِكَ”(مز 71، 5. 17). لا يجب أن نندم على قضاء شبابنا في الصلاح، وفي فتح قلوبنا للربّ، والعيش بشكل مختلف عن الآخرين. لا شيء من هذا يسلبنا شبابنا، بل يقويه ويجدده: “يَتَجَدَّدُ كالعُقابِ شَبابُكِ” (مز 103، 5). لهذا السبب، كان القديس أوغسطينوس ينتحب قائلًا: “أحببتك متأخرًا، أحببتُك، يا أيها السحر القديم الجديد! أحببتك متأخرًا!”[2]ولكن ذلك الرجل الغني، الذي كان مخلصًا لله في شبابه، سمح لمرور السنين بأن تسلبه أحلامه. فضل أن يظل مرتبطًا بأمواله (را. مر 10، 22).

18.          من ناحية أخرى، نجد في إنجيل متى شابّا (متى 19، 20- 22) اقترب من يسوع وسأله عمّا إذا كان هناك المزيد ممّا يستطيع أن يفعله (متى 19، 20)، بهذه الروح المفتوحة التي تميّز الشبّان الذين يبحثون عن آفاق جديدة وتحدّيات كبيرة. في الواقع، لم تكن روحه شابّة بالفعل، لأنه كان متعلّقًا بالغنى وبوسائل الراحة. قال إنه يريد المزيد، لكن عندما طلب منه يسوع أن يكون سخيًّا وأن يوزّع أملاكه، أدرك أنه لا يستطيع التخلّي عن كلّ شيء يملكه. وفي النهاية، “لَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هذا الكلام، اِنصَرَفَ حزينًا” (متى 19، 22). تخلّى عن شبابه.

19.          يتحدّث الإنجيل أيضًا عن شابّات حكيمات، كنّ على استعداد ويقظات، في حين أن الأخريات كنّ مشتّتات وخاملات (را. متى 25، 1- 13). في الواقع، يمكن للمرء أن يقضي شبابه مشتّتا، يعبر الحياة بشكل سطحي، نصف نائم، غير قادر على إقامة علاقات عميقة أو الدخول بعمق في الحياة. وهو يحضّر بهذه الطريقة مستقبلًا ركيكًا ودون مضمون. أو يمكنه أن يقضي شبابه محاولًا تحقيق أشياء جميلة وعظيمة، وأن يهيّئ بالتالي مستقبلًا مليئًا بالحياة والغنى الداخلي.

20.          إذا كنت قد فقدت حيويّتك الداخليّة، وأحلامك، وحماسك، وتفاؤلك وكرمك، يقف يسوع أمامك كما وقف أمام ابن الأرملة الميت، وبكلّ قوّة قيامته يقول لك: “يا فتى، أقولُ لَكَ: قُمْ!” (لو 7، 14).

21.          لا شكّ أن هناك العديد من النصوص الأخرى لكلمة الله التي يمكن أن تنوّرنا حول هذه المرحلة من الحياة. سوف نتناول بعضًا منها في الفصول التالية.

الفصل الثاني

يسوع المسيح، أزليّ الشباب

 22.          إن يسوع هو “شابّ بين الشبّان كي يكون مثالًا للشبيبة ويكرّسهم للربّ”[3]. ولهذا السبب قال السينودس “الشباب هي مرحلة حياة أصيلة ومحفّزة، عاشها يسوع نفسه وقدّسها”[4]. ماذا يقول لنا الإنجيل عن شباب يسوع؟

شباب يسوع

23.          إن الربّ قد “لفَظَ الرُّوح” (متى 27، 50) فوق الصليب، وكان عمره أكثر من ثَلاثينَ سنة بقليل (لو 3، 23). من المهمّ أن ندرك أن يسوع كان شابًّا. لقد وهب حياته عندما كان، بحسب معايير اليوم، شابًّا بالغًا. بدأ رسالته العامّة في مقتبل العمر، وأشرق هكذا “نُورًا عَظيمًا” (متى 4، 16) ولا سيّما عندما وهب حياته حتى النهاية. تلك النهاية لم تكن مجرّد حدث مُباغت؛ بل بالعكس كان كلّ شبابه، في كلّ لحظة من لحظاته، إعدادًا ثمينًا لها، لأن “كلّ شيء في حياة يسوع هو علامة لسرّه”[5] في الواقع؛ وكلّ “حياة المسيح هي سرّ فداء”[6].

24.          لا يُخبرنا الإنجيل شيئًا عن مرحلة طفولة يسوع، لكنّه يروي العديد من أحداث مراهقته وشبابه. يضع متى فترة شباب الربّ بين حدثين: عودة أسرته إلى الناصرة بعد مدّة المنفى، ومعموديّة يسوع في الأردن، حيث بدأ رسالته العامّة. الصور الأخيرة التي لدينا عن يسوع عندما كان طفلًا هي صور لاجئ صغير في مصر (را. متى 2، 14- 15) وعودته إلى وطنه في الناصرة (را. متى 2، 19- 23). والصورة الأولى ليسوع كشابّ بالغ تظهره وهو مع الجموع المحتشدة على ضفاف نهر الأردنّ، عندما جاء ليعتمد على يد قريبه يوحنّا المعمدان، كواحد من العديدين من أبناء شعبه (را. متى 3، 13- 17).

25.          لم تكن معموديّة يسوع هذه مثل معموديّتنا، والتي تدخلنا في حياة النعمة، بل كانت تكريسًا قبل الشروع في رسالة حياته العظمى. يقول الإنجيل ان الآب فَرِحَ في معموديّته وسُرَّ: “أَنتَ ابنِيَ الحَبيب” (لو 3، 22). وبدا يسوع على الفور مليئًا بالروح القدس، وقاده الروح في البرّية. وكان هكذا يستعدّ للانطلاق للتبشير ولصنع المعجزات، كي يحرّر الناس ويشفيهم (را. لوقا 4، 1-14). إن كلّ شابّ، عندما يشعر أنّه مدعوّ لإتمام رسالة في هذا العالم، هو مدعوّ لأن يسمع في قلبه هذه الكلمات نفسها التي يقولها له الله الآب: “أنت ابني الحبيب”.

26.          بين هاتينالروايتين، نجد واحدة منهما تظهر يسوع في ملء سن المراهقة، عندما عاد مع والديه إلى الناصرة، بعد أن أضاعاه ووجداه في الهيكل (را. لو 2، 41- 51). قيل فيه إنه “كانَ طائِعًا لَهُما” (را. لو 2، 51)، لأنه لم يتبرّأ من أسرته. ثم يضيف لوقا أن يسوع كان “يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس” (را. لو 2، 52). أي كان يستعدّ، وكان يعمّق في تلك الفترة علاقتَه مع الآب ومع الآخرين. وأوضح القدّيس يوحنا بولس الثاني أنه لم ينمُ جسديًا فحسب، بل “كان هناك أيضًا نموًّا روحيًّا في يسوع” لأن “كمال النعمة في يسوع كان متناسبًا مع عمره: كان دائم الكمال، ولكن الكمال ازداد مع نموّه”[7].

27.          يمكننا القول، انطلاقًا من المعطيات الإنجيلية، إن يسوع، في مرحلة شبابه، كان في “تنشئة”، يستعدّ لتحقيق تدبير الآب. وقد وجّهته مراهقته وشبابه نحو تلك الرسالة العظمى.

28.          كانت علاقة يسوع مع الآب، في فترة مراهقته وشبابه، علاقة الابن الحبيب؛ جذبه الآب، ونشأ وهو يرعى شؤونه: “أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟” (لو 2، 49). ولكن، لا يجب الاعتقاد أن يسوع كان مراهقًا وحيدًا أو شابًّا منغلقًا على ذاته. كانت علاقاته مع الناس علاقة شابّ يشارك تمامًا في حياة عائلة مندمجة بشكل جيّد في القرية. تَعلّم مهنة والده ثم حلّ محلّه كنجّار. ولذا، دُعي مرّة في الإنجيل “ابنَ النجار” (متى 13، 55)، ومرّة أخرى ببساطة “النجّار” (مر 6، 3). ويبيّن هذا التفصيل أنه كان مجرّد شابّ في بلدته، وأنه كان يتواصل مع الآخرين بشكل عاديّ. لم يعتبره أحد كشابّ غير عاديّ أو منفصل عن الآخرين. ولهذا السبب بالذات، بمجرّد أن بدأ يسوع في الوعظ، لم يفهم الناس من أين استمدّ هذه الحكمة: “أَما هذا ابنُ يوسُف؟” (لو 4، 22).

29.          في الواقع، إن “يسوع لم يترعرع ضمن علاقة منغلقة ومنحصرة ما بين مريم ويوسف، إنما كان يتجوّل بفرح في العائلة الواسعة، حيث الأقارب والأصدقاء”[8]. لذلك نفهم لماذا، عند عودتهم من الحجّ إلى أورشليم، كان الوالدان مطمئنين لظنّهما أن الفتى البالغ من العمر اثني عشر عامًا (را. لو 2، 42) يسير بحرّية بين الناس، حتى أنّهما لم يرياه ليوم كامل: “كَانَا يَظُنَّانِ أَنَّهُ في القَافِلَة، سَارَا مَسِيرَةَ يَوْم” (لو 2، 44). من المؤكد –وقد كان هذا ظنّهم- أن يسوع هناك، يختلط مع الآخرين، ويمزح مع فتيان من عمره، يستمع إلى روايات الكبار ويشارك في أفراح وأحزان القافلة. يشير المصطلح اليوناني الذي استخدمه لوقا لقافلة الحجاج، سينوديا، على وجه التحديد، إلى هذه “الجماعة في مسيرة” التي تنتمي إليها العائلة المقدّسة. بفضل ثقة والديه، يتحرك يسوع بحرية ويتعلم السير مع أي شخص آخر.

شبابه ينيرنا

30.          يمكن أن تشكّل هذه الجوانب من حياة يسوع، مصدر إلهام لكلّ شابّ ينمو ويستعدّ للقيام برسالته في الحياة. وهذايتضمّن النضوج في علاقة مع الآب، مدركًا أنه جزء من العائلة ومن الشعب، ومنفتحًا على أن يملأه الروح القدس ويقوده لتحقيق الرسالة التي يعهد بها الله إليه، دعوته الخاصّة. لا ينبغي إغفال أيّ شيء من هذا في العمل الرعويّ مع الشبيبة، حتى لا يتمّ خلق مشاريع تعزل الشبيبة عن العائلات وعن العالم، أو تحوّلهم إلى قلّة مختارة، بعيدة عن أيّ “عدوى”. بل إننا، بالأحرى، بحاجة إلى مشاريع تقوّيهم وترافقهم وترسلهم للقاء الآخرين، وللمشاركة في خدمة سخيّة، وفي الرسالة.

31.          إن يسوع لا ينيركم، أيها الشبيبة، من بعيد أو من الخارج، ولكن انطلًاقا من شبابه، الذي يشارككم به. من المهمّ جدًّا بالنسبة لكم أن تتأمّلوا بيسوع الشابّ كما تبيّنه لنا الأناجيل، لأنه كان حقًّا واحدًا منكم، ويمكن التعرّف فيه على العديد من ملامح القلوب الشابّة. نرى هذا على سبيل المثال في الخصائص التالية: “كان ليسوع ثقة غير مشروطة في الآب، وكان يهتم بصداقته مع تلاميذه، وظلّ أمينًا لهم حتى في الشدائد. أظهر تعاطفًا عميقًا مع الضعفاء، ولا سيّما الفقراء، والمرضى، والخطأة، والمستبعدين. كان لديه الشجاعة لمواجهة السلطات الدينيّة والسياسية في ذاك الزمن. عاش اختبارَ الشعورِ بسوء الفهم وبالاستبعاد؛ شعرَ بالخوفِ من العذاب وعرف هشاشة الآلام؛ وجّه نظره إلى المستقبل، وسلّم ذاته إلى بين يدي الآب الآمنتين وقوّة الروح. يمكن لجميع الشبيبة أن يروا أنفسهم في يسوع”[9].

32.          من ناحية أخرى، قد قام يسوع ويريد أن يجعلنا نشترك في حداثة قيامته. إنه هو الشباب الحقيقيّ لعالم يشيخ، إنه أيضًا شبابُ كونٍ “في المخاض” (روم 8، 22) ينتظرأن يلبس نوره وحياته. وبقربه، يمكننا أن نستقي من النبع الحقيقيّ الذي يبقي كلّ أحلامنا ومشاريعنا ومثلنا الكبرى حيّة، والذي يدفعنا إلى البشارة بحياة تستحقّ العناء. ويبيّن تفصيلان غريبان من إنجيل مرقس كيف أن الذين قاموا مع المسيح هم مدعوّون إلى شباب أصيل: نرى في آلام الربّ شابًّا أراد أن يتبع يسوع، ولكن من خوفه هرب عريانًا (را. 14، 51- 52)، مفتقرًا إلى القوّة للمخاطرة بكلّ شيء لاتّباع الربّ؛ لكن عند القبر الفارغ، نرى شابًّا آخر “عَلَيه حُلَّةٌ بَيضاء” (16، 5)، يدعو النسوة لعدم الخوف ويعلن فرح القيامة (را. 16، 6- 7).

33.          إن الربّ يدعونا لنضيء النجوم في ليل الشبيبة الآخرين، ويدعونا للنظر إلى النجوم الحقيقية، كلّ تلك العلامات المتنوّعة التي يعطينا إياها كي لا نبقى واقفين، إنّما نتشبّه بالمزارع الذي يرصد السماء ليتمكّن من حراثة حقله. فالله يضيء النجوم حتى نتمكّن من الاستمرار في المشي: “إِنَّ النُّجومَ أَشرَقَت في مَحارِسِها وتَهَلّلَت. دَعاها فقالَت: “هاءَنذا”" (بار 3، 34- 35). لكن المسيح نفسه هو نور رجائنا العظيم ومرشدنا في الليل، لأنه “الكَوكَب الزَّاهِرُ في الصَّباح” (رؤ 22، 16).

شباب الكنيسة

34.          إن مرحلة الشباب هي أكثر من مجرّد فترة زمنيّة، إنها حالة القلب. ولذا، يمكن لمؤسّسة قديمة مثل الكنيسة أن تتجدّد وأن تسترجع شبابها في مراحل مختلفة من تاريخها القديم. وتشعر في الواقع، في اللحظات الأكثر دراماتيكية من تاريخها، بأنها مدعوّة للعودة بكلّ قلبها إلى حبّها الأوّل. ويذكّر المجمع الفاتيكاني الثاني، مشيرًا إلى هذه الحقيقة، أن الكنيسة، “الغنيّة بماضيها البعيد الذي ما زال حيًّا فيها، وهي تتقدّم نحو الكمال البشريّ في الزمن ونحو الأهداف النهائية للتاريخ والحياة، هي الشباب الحقيقيّ للعالم”. وفيها من الممكن دومًا أن نجد المسيح “رفيق الشبيبة وصديقهم”"[10].

كنيسة تدع نفسها تتجدّد

35.          لنطلبمن الربّ أن يحرّر الكنيسة من أولئك الذين يريدونها أن تشيخ، وأن تتحجر في الماضي، أو كبحها أو تجميدها. لنطلب منه أيضًا أن يحرّرها من تجربة أخرى: أن تظنّ بأنها شابّة لأنها تذعن لكلّ ما يقدّمه لها العالم، ظنًّا منها أنها تتجدّد لأنها تضع رسالتها جانبًا وتقوم بمجاراة الآخرين. كلّا! الكنيسة شابّة عندما تكون هي نفسها، عندما تنال قوّة كلمة الله الدائمة الجدّة، وقوّة الافخارستيا، وحضور المسيح اليوميّ وقوة روحه. هي شابّة عندما تكون قادرة على العودة بشكل دائم إلى مصدرها.

36.          لا ينبغي لنا بالطبع، نحن أعضاء في الكنيسة، أن نكون مختلفين عن الآخرين. يجب أن يشعر الجميع بأننا إخوة لهم وقريبين، مثل الرسل، الذين “يَنالون حُظوَةً عِندَ الشَّعْبِ كُلِّه” (رسل 2، 47؛ را. 4، 21. 33؛ 5، 13). لكن في الوقت عينه، يجب علينا أن نجرؤ على أن نكون مختلفين، على أن نشير إلى أحلام أخرى لا يقدّمها هذا العالم، وأن نشهد على جمال السخاء، والخدمة، والنقاء، والمثابرة، والغفران، والأمانة في الدعوة الشخصية، والصلاة، والسعي إلى العدالة والخير العام، ومحبّة الفقراء والصداقة المجتمعية.

37.          قد تقع كنيسة المسيح دومًا في تجربة فقدان الحماس لأنّها لم تعد تسمع دعوة الربّ بخصوص مخاطرة الإيمان، وإعطائها كلّ شيء دون أن تَزِنَ المخاطر، والعودة للبحث عن ضمانات دنيويّة زائفة. والشبيبة هم الذين على وجه التحديد، يستطيعون مساعدتها على البقاء شابّة، على ألّا تقع في الفساد، أو في الخمول، أو الكبرياء، أو التحوّل إلى طائفة، وعلى أن تكون أكثر فقرًا وأن تشهد، أن تكون قريبة من الآخرين والمستبعدين، وأن تناضل من أجل العدالة، وأن تسمح بأن تستجوب بتواضع. فباستطاعتهم أن يعطوا الكنيسة جمال الشباب عندما يحفّزون القدرة “على الابتهاج لما يبدأ، وعلى هبة الذات دون رجوع، وعلى تجديد النفس والانطلاق مجدّدًا نحو انتصارات جديدة”[11].

38.          إن الذين من بيننا لم يعودوا شبّانا، يحتاجون لخلق الفرص التيتجعل صوت الشبيبة واهتماماتهم قريبة، و “التقارب يخلق الظروف للكنيسة كي تكون مساحة للحوار وتشهد على الأخوّة الذي تجذب”[12]. نحتاج إلى خلق المزيد من المساحات حيث يُسمع صوت الشبيبة: “الاستماع يتيح تبادل المواهب، في سياق التعاطف… وفي الوقت نفسه، يضع الشروط من أجل بشارة بالإنجيل تصل إلى القلب حقًّا، بطريقة حاسمة وخصبة”[13].

كنيسة متنبّهة لعلامات الأزمنة

39.          “إن الله، والدين، والكنيسة، بالنسبة للعديد من الشبيبة، هي كلمات فارغة، ولكنهم حسّاسون لشخصيّة يسوع، عندما يتمّ تقديمها بطريقة جذّابة وفعالة”[14]. لذا فمن الضروري ألّا تنطوي الكنيسة كثيرًا على نفسها، بل أن تعكس قبل كلّ شيء يسوع المسيح. وهذا يعني أن تدرك بتواضع أنه يجب تغيير بعض الأشياء الملموسة، ولهذا فهي تحتاج أيضًا إلى تقدير رؤية الشبيبة وكذلك نقدهم.

40.          فقد أقرّينا في السينودس أن “عددًا كبيرًا من الشبيبة، ولأسباب مختلفة جدًا، لا ينتظرون أيّ شيء من الكنيسة لأنهم لا يعتبرونها مهمّة لحياتهم. بل إن البعض يطلبون صراحة أن تدعهم وشأنهم، لأنهم يشعرون بأن وجودها مضجر ومزعج. إن هذا الطلب المتكرّر لا يأتي من ازدراء عفوي أو متسرّع، ولكنه متجذّر في أسباب جدّية ومفهومة: الفضائح الجنسية والاقتصادية؛ عدم إعداد الأشخاص المرسومين الذين لا يعرفون كيف يجذبون حساسية الشبيبة بشكل مناسب؛ الاهتمام البسيط المخصّص لتحضير العظة وشرح كلمة الله؛ الدور السلبيّ المخصّص للشبيبة داخل الجماعات المسيحية؛ صعوبة الكنيسة في شرح مواقفها العقائدية والأخلاقية للمجتمع المعاصر”[15].

41.          في حين أن هناك شبيبة يفرحون عندما يرون كنيسة تثق بكل تواضع بمواهبها، وقادرة أيضًا على ممارسة نقدأمين وأخوي، يطالب شبيبة آخرون الكنيسة بأن تستمع أكثر، وألّا تقضي وقتها بالحكم على العالم. إنهم لا يريدون أن يروا كنيسة صامتة وخجولة، ولا كنيسة في حالة حرب دائمة بسبب موضوعين أو ثلاثة تستحوذ عليها. إنها تحتاج أحيانًا، كي تكون مصداقة إزاء الشبيبة، إلى استعادة التواضع والاصغاء ببساطة، وإلى أن ترى في أقوال الآخرين بعضَ النور الذي يساعدها على فهم الإنجيل بشكل أفضل. إن الكنيسة التي تتّخذ موقفًا دفاعيًّا، والتي تفقد التواضع، وتتوقّف عن الاصغاء، والتي لا تسمح بأن تُستجوب، تفقد الشباب وتتحوّل إلى متحف. وكيف يمكنها أن ترحّب بأحلام الشباب بهذه الطريقة؟ حتى لو كانت تملك حقيقة الإنجيل، هذا لا يعني أنها فهمته بالكامل؛ إنما عليها أن تنمو دائما في فهم ذاك الكنز الذي لا ينضب[16].

42.          على سبيل المثال، إن كنيسة تُفرِطُ في الخوف وفي النظام قد تنتقد على الدوام الجهود المبذولة للدفاع عن حقوق المرأة، وأن تشير باستمرار إلى المخاطر والأخطاء المحتملة لتلك المطالب. أمّا الكنيسة الحيّة، فقد تتفاعل عبر اهتمامها بالمطالب المشروعة للنساء اللواتي يطالبن بالمزيد من العدالة والمساواة. تقدر أن تنظر إلى التاريخ وتقرّ بنمط طويل من الاستبداد الرجولي، والهيمنة، ومن أشكال مختلفة من الاستعباد والاعتداء والعنف الجنسيّ. وتصبح قادرة، بهذه النظرة، أن تتبنّى المطالبة بهذه الحقوق، وتقدّم مساهمتها بقناعة من أجل المزيد من التبادل بين الرجال والنساء، حتى وإن كانت لا توافق على كلّ ما تقترحه بعض الجماعات النسائية. في هذا السياق، أراد السينودس تجديد التزام الكنيسة “ضدّ كلّ أنواع التمييز والعنف الجنسيّ”[17]. هذا هو ردّ كنيسة لا تزال شابّة، وتسمح لحساسية الشبيبة بأن تدعوها للتفكير وتحفّزها.

مريم، صبية الناصرة

43.          في قلب الكنيسة، تشرق مريم. إنها النموذج الأعظم للكنيسة الشابّة التي تريد أن تتّبع المسيح بنضارة وطاعة. عندماتلقّت بشارة الملاك، كانت في أوّل صباها، ولم تمتنع من طرح الأسئلة (را. لو 1، 34). لكن روحها كانت مستعدّة وقالت: “أَنا أَمَةُ الرَّبّ” (لو 1، 38).

44.          “إن قوّة الـ “نعم” التي قالتها مريم، الشابّة، تثير الإعجاب دائمًا. قوّة “فَليَكُنْ لي” التي قالتها للملاك. لم يكن قبولًا سلبيًّا أو قبولًا خاضعًا. كان مختلفًا عن “نعم” يشبه القول: “حسنًا، لنرى ما سيحدث”. لم تكن تعرف مريم هذه العبارة: لنرى ما سيحدث. كانت حاسمة، فهمت المسألة وقالت “نعم”، دون لف ودوران. كان أمرًا أكثر من ذلك، كان أمرًا مختلفًا. كان “نعم” الذين يريدون المشاركة والمخاطرة، الذين يريدون أن يراهنوا على كلّ شيء، دون أيّ ضمانات أخرى سوى أنهم على يقين من أنهم حاملو الوعد. وأسال كلّا منكم: هل تشعرون أنكم حاملو الوعد؟ أيّ وعد أحمل في قلبي، وعد أتقدّم به؟ كانت مريم دون شكّ أمام مهمّة صعبة، لكن الصعوبات لم تكن سببًا لتقول “كلا”. كان عليها بالطبع أن تواجه تعقيدات، لكن لم تكن نفس التعقيدات التي تحدث عندما يشلّنا الخوف لأن كلّ شيء ليس واضحًا بالنسبة لنا أو مضمونًا مسبقًا. لم تشترِ مريم تأمينا على حياتها! مريم خاطرت بحياتها، ولذا فهي قوية، ولذا هي “ذات تأثير”، هي “ذات تأثير” عند الله! لقد كانت الـ “نعم” والرغبة في الخدمة أقوى من الشكوك والصعوبات”[18].

45.          دون أن تستسلم للمراوغات أو للسرابات “عرفت كيف ترافق ألم ابنها، [...] وتدعمه بنظرتها وتحميه بقلبها. ألم عاشته، ولكنه لم يحنها. لقد كانت المرأة القوية، امرأة الـ “نعم”، التي تدعم وترافق، وتحمي وتحتضن. إنها حارسة الرجاء العظيمة [...] نتعلّم منها كيف نقول “نعم” للصبر المتشبث ولإبداع أولئك الذين لا ييأسون، ويبدؤون من جديد”[19].

46.          كانت مريم الفتاة ذات الروح العظيمة التي ابتهجت (را. لو 1، 47)، كانت الفتاة الصغيرة التي أنار عينيها الروح القدس والتي تأمّلت بالحياة بإيمان وكانت تحفظ كلّ شيء في قلبها الشابّ (را. لو 2، 19. 51). كانت الشخص الذي لا يهدأ، وفي مسيرة دائمة، ولم تفكّر في مشاريعها الخاصة عندما علمت أن قريبتها بحاجة إليها، بل “مَضَت مُسرِعَةً إِلى الجَبَل” (لو 1، 39).

47.          عندما كان ابنها بحاجة إلى الحماية، انطلقت مع يوسف إلى أرض بعيدة (را. متى 2، 13- 14). لذا بقيت وسط التلاميذ المجتمعين في الصلاة انتظارًا لحلول الروح القدس (را. رسل 1، 14). هكذا وبحضورها، وُلدت كنيسة شابّة، ورسلها “في انطلاق” كي يعملوا على ولادة عالم جديد (را. رسل 2، 4- 11).

48.          إن مريم اليوم، هي الأمّ التي تسهر على أبنائها، علينا نحن الذين نسير في رحلة الحياة، وغالبًا ما نكون متعبين ومحتاجين، ولكن توّاقين لئلا يتلاشى نور الرجاء. لأن هذا ما نريده: ألّا يتلاشى الرجاء. إن أمّنا تنظر إلى هذا الشعب الحاجّ: شعب شابّ تحبّه، ويبحث عنها بصمت القلب رغم كلّ الضجيج والمحادثات والتشتّت على طول الطريق. تحت نظر أمّنا، وحده صمت الرجاء له مكان. وهكذا تنير مريم شبابنا من جديد.

شبيبة قدّيسون

49.          إن قلب الكنيسة أيضًا عامر بالقدّيسين الشبّان الذين كرّسوا حياتهم للمسيح، والعديد منهم حتى الاستشهاد. كانوا انعكاسًا ثمينًا للمسيح الشابّ، وتألّقوا كي يشجّعونا ويوقظونا من سباتنا. وقد أشار السينودس إلى أن “العديد من القدّيسين الشبّان سمحوا لسمات الشبّاب بالتألّق في كلّ جمالها، وكانوا في زمنهم أنبياء حقيقيّين للتغيير. ويبيّن مثالهم ما يمكن للشبيبة أن يصنعوه، عندما ينفتحون على لقاء المسيح”[20].

50.          “من خلال قداسة الشبيبة، تستطيع الكنيسة تجديد حماسها الروحيّ ونشاطها الرسوليّ. فبلسم القداسة التي تولّدها الحياة الصالحة التي يعيشها الكثير من الشبيبة يستطيع أنيشفي جروح الكنيسة والعالم، فيعيدنا إلى ملء المحبّة الذي طالما دعينا إليها: يشجّعنا القدّيسون الشبّان على العودة إلى حبّنا الأوّل (را. رؤ 2، 4)”[21]. هناك قدّيسون لم يبلغوا سنّ الرشد، إلّا أنهم أظهروا لنا طرقًا أخرى لعيش الشبّاب. لنذكر على الأقل بعضًا من الذين، في فترات مختلفة من التاريخ، عاشوا حياة القداسة، كلٌّ منهم بطريقته الخاصّة:

51.          في القرن الثالث، كان القدّيس سيباستيان قائدًا شابًّا للحرس البريتوري. يقال إنه تحدّث باستمرار عن المسيح وحاول تغيير رفاقه، حتى أُمِرَ بأن ينبذ إيمانه. وبما أنّه لم يقبل، أطلقوا عليه وابلا من السهام، لكنه نجا واستمر في البشارة بالمسيح بلا خوف. وفي النهاية، جُلِدَ حتى الموت.

52.          سمع القدّيس فرنسيس الأسيزي، كان ما زال صبيًّا ومليئّا بالأحلام العظيمة، دعوة يسوع ليصبح فقيرًا مثله، ولإعادة بناء الكنيسة من خلال شهادته. فتخلّى بفرح عن كلّ شيء وأصبح الآن قدّيس الأخوّة العالمية، أخًا للجميع، وأشاد بالربِّ على مخلوقاته. توفي فرنسيس عام 1226.

53.          ولدت القدّيسة جان دارك عام 1412. كانت فلّاحة شابّة وحاربت، رغم صغر سنّها، للدفاع عن فرنسا من الغزاة. وماتت حرقًا بسبب سوء فهم مظهرها وطريقتها في عيش الإيمان.

54.          كان الطوباوي أندرو فو ين شابًّا فيتناميّا من القرن السابع عشر. كان مدرّسا للتعليم الديني وكان يساعد المرسلين. سُجِن بسبب إيمانه، وقُتل لأنه رفض التخلّي عن إيمانه. توفي أندرو وهو يقول: “يسوع”.

55.          في القرن نفسه، تعرّضت القدّيسة كاترين تكاكويثا للاضطهاد بسبب إيمانها، وهي علمانية شابّة من أمريكا الشمالية، وسارت هربًا أكثر من 300 كيلومترًا عبر غابات كثيفة. كرّست كاترين نفسها لله وماتت وهي تقول: “يسوع، أنا أحبك!”

56.          قدّم القدّيس دومينيك سافيو كلّ آلامه للعذراء مريم. عندما علّمه القدّيس يوحنا بوسكو أن القداسة تفترض أن نكون في فرح دائم، فتح قلبه لفرح مُعدٍ. أراد أن يكون قريبًا من رفاقه الشبّان المستبعدين والمرضى. توفي دومينيك عام 1857 عن عمر يناهز اربعة عشر عامًا، قائلًا: “ما أروع ما أراه!”.

57.          ولدت القدّيسة تريزيا الطفل يسوع عام 1873. نجحت في دخول دير الكرمل في سنّ الخامسة عشرة، بعد أن تغلّبت على العديد من الصعوبات. عاشت تريزيا الدرب الصغيرة، درب الثقة الكاملة في محبّة الربّ، وعقدت العزم على تأجيج نار الحبّ الذي يحرّك الكنيسة، عبر صلاتها.

58.          كان الطوباوي سيفيرينو نامونكُرا شابًّا أرجنتينيا، وهو ابن رئيس قبيلة من السكّان الأصليّين. وأصبح إكليريكيًّا ساليزيانيا، مليئًا بالرغبة في العودة إلى قبيلته كي يحمل لها يسوع المسيح. توفي سيفيرينو عام 1905.

59.          كان الطوباوي إيزودور باكانجا شخصًا عاديًّا من الكونغو، شهد لإيمانه. وتعرّض للتعذيب مطوّلا لأنه بشّر شبّانًا آخرين. توفي إيزودور غافرا لجلّاده عام 1909.

60.          كان الطوباوي بيار جيورجيو فريساتي، الذي توفي عام 1925، “شابًا ذا فرحٍ مُعدٍ، فرح تجاوز أيضًا العديد من الصعوبات في حياته”[22]. قيل إنه كان يحاول أن يبادل حبّ يسوع الذي ناله في المناولة، عبر زيارة الفقراء ومساعدتهم.

61.          كان الطوباوي مارسيل كالو شابًا فرنسيًا توفي عام 1945. سجن في معسكر اعتقال في النمسا، حيث ثبّت زملاءه السجناء في الإيمان وسط الأعمال الشاقّة.

62.          الطوباوية الشابّة كيارا بادانو، التي توفيت عام 1990، “اختبرت كيف يمكن تحويل الألم بالمحبّة [...] وسرّ سلامها وفرحها كان ثقتها الكاملة بالربّ وقبول المرض كتعبير سرّي لمشيئته، لخيرها وخير الآخرين”[23].

63.          ليتشفّع هؤلاء بالكنيسة، وكذلك العديد من الشبّان الذين، عاشوا الإنجيل بعمق، ربّما بصمتٍ وبالخفاء، بحيث تمتلئ بشبيبة فرحين وشجعان ومتفانين، يعطون للعالم شهادات جديدة من القداسة.

 

 

الفصل الثالث

أنتم “حاضر” الله

 64.          بعد أن ألقينا هذه النظرة السريعة على كلمة الله، لا يمكننا القول إن الشبيبة هم مستقبل العالم وحسب. إنهم الحاضر، وهم يساهمون الآن في إثرائه. لم يعد الشابّ طفلًا، فهو في مرحلة من عمره يبدأ فيها بتحمّل مسؤوليّات مختلفة، وبالمشاركة مع البالغين في تنمية الأسرة والمجتمع والكنيسة. لكن الزمن يتغيّر، مما يدفعنا إلى التساؤل: كيف هم الشبيبة اليوم، ما الذي يحدث لهم الآن؟

بصورة إيجابية

65.          لقد أقرّ السينودس بأن مؤمني الكنيسة لا يتخذون دومًا موقف يسوع. فبدلًا من الاصغاء إليهم بعمق، “يسود في بعض الأحيان الميل إلى إعطاء إجاباتٍ مُعَدَّة مسبقًا ووصفاتٍ جاهزة، دون السماح لأسئلة الشبيبة بأن تُطرَح في حداثتها وبأن تُواجَه التحدّيات التي تشكّلها”[24]. من ناحية أخرى، عندما تتخلّى الكنيسة عن الأنماط المتصلبة وتنفتح على الاصغاء للشبيبة باستعداد وتنبّه، فإن هذا التعاطف يثريها، لأنه “يسمح للشباب بأن يقدّموا مساهمتهم الشخصيّة للجماعة، فيساعدوها على تَلَقّي نباهةٍ جديدة وعلى طرح تساؤلات غير مسبوقة”[25].

66.          إننا نميل اليوم نحن الكبار إلى وضع قائمة من الكوارث، ومن عيوب شبيبة زمننا الحاضر. وقد يصفّق لنا البعض لأننا نبدو خبراء في العثور على نقاط سلبيّة وعلى مخاطر. لكن ماذا ستكون نتيجة هذا الموقف؟ المزيد والمزيد من البعد، والنقص في التقارب، وفي المساعدة المتبادلة.

67.          إن استبصار الذين هم مدعون لأن يكونوا آباء أو رعاة أو مرشدين للشبيبة يكمن في العثور على الشعلة الصغيرة التي لا تزال تتأجّج، والعصا التي تبدو وكأنها تنكسر (را. أش 42، 3)، ولكنها لا تنكسر. إنها القدرة على إيجاد مسارات حيث يرى الآخرون الجدران فقط؛ هي القدرة على رؤية احتمالات حيث يرى الآخرون الأخطار فقط. هذه هي نظرة الله الآب، القادرة على تقييم ورعاية بذور الخير المزروعة في قلوب الشبيبة. لذا يجب اعتبار قلب كلّ شابّ “أرضًا مقدّسة”، تحمل بذور حياة إلهية، علينا أن “نخلع أحذيتنا” أمامها كي نتقرّب من السرّ ونتعمّق به.

أشكال عديدة للشباب

68.          يمكننا محاولة وصف سمات شبيبة اليوم، ولكني أودّ أوّلا أن أسترجع ملاحظة أعطاها آباء السينودس: “لقد أظهرَ السينودُس نفسُهُ، عبر تكوينه، حضورَ مُختَلَفِ مناطق العالم وإسهامَها، مسلّطًا الضوء على جمالِ الكنيسةِ بكونها جامعة. وبالرغم من إطار العَولَمة المُتَنامي، طَلَبَ آباء السينودُس إظهار الاختلافات المتعدّدة بين الأُطُر والثقافات، حَتَّى داخِلَ البلد الواحد. فهناك تعدُّد في عالم الشبيبة، لدرجة أنه، في بعض البلدان، يُستَخدَم مصطلح الشبيبة بصيغة الجمع. وأيضًا فإنَّ الفئة العُمرِيّة (16-29) التي خَصَّها السينودُس الحالي بالاهتمام لا تُمَثِّل مجموعًا مُتَماثِلاً، بل هي مُكَوَّنةٌ من مجموعاتٍ تعيشُ كُلٌّ منها أوضاعًا خاصّة بها”[26].

69.          من الناحية الديموغرافية، يوجد في العديد من البلدان عدد كبير من الشبيبة، في حين أن البعض الآخر لديهم معدل ولادة منخفض للغاية. ولكن “ينتج عن التاريخ اختلافٌ آخر، يميّز البلدان والقارات ذات التقاليد المسيحيّة العريقة، والتي تحمل ثقافتها ذاكرة لا يجب إضاعتها، عَن البلدان التي تتّسِم بتقاليدٍ أخرى وحيث الوجود المسيحيّ فيها أقلّيّة وأحيانًا حديث العهد. ثم في بقاعٍ أخرى، تكون الجماعات المسيحية وشبيبتها مَوضِع اضطهاد”[27]. يجب أيضًا التمييز “بين مَن يُتاحُ لهم كَمٌّ متزايد من الفُرَص التي تُقَدِّمُها العَولَمة، وبين مَن يعيشون على هامِشِ المجتمع أو في البقاع الريفيّة ويُعانونَ من أشكالِ الإقصاء والتهميش”[28].

70.          هناك المزيد من الاختلافات التي من الصعب أن نفصّلها هنا. لذلك، لا أعتقد أنه من المناسب التوقّف لتقديم تحليل شامل للشبيبة في عالم اليوم، وحول كيفيّة عيشهم وما يحدث لهم. ولكن بما أنني لا أريد إغفال هذا الواقع، سأجمع بإيجاز بعض المساهمات التي بلغتنا قبل السينودس وأخرى تمكّنت من تحصيلها أثناءه.

بعض خبرات الشبيبة

71.          الشباب ليس شيئًا يمكن تحليله بشكل مجرّد. في الواقع، لا وجود “للشباب”، بل هناك شبيبة مع حياتهم الملموسة. في عالم اليوم، المليء بالتقدّم، العديد من هذه النفوس تتعرّض للمعاناة والتلاعب.

شبيبة عالم في أزمة

72.          لقد أشار آباء السينودس بأسف إلى أن “العديد من الشبيبة يعيشون في سياقات الحرب ويعانون من أنواع لا تحصى من العنف: الخطف، والابتزاز، والجريمة المنظّمة، والاتّجار بالبشر، والعبوديّة، والاستغلال الجنسي، واغتصابات الحرب، وما إلى ذلك. ويجد شبيبة آخرون، بسبب إيمانهم، صعوبة في الحصول على وظيفة في مجتمعهم، ويعانون من أنواع مختلفة من الاضطّهاد وحتى الموت. هناك العديد من الشبيبة الذين، بسبب الإكراه أو عدم وجود بدائل، يكسبون عيشهم عبر ارتكاب الجرائم وأعمال العنف: الجنود الأطفال، والعصابات المسلّحة والمجرمون، والاتّجار بالمخدّرات، والإرهاب، إلخ. هذا العنف يحطّم حياة الكثير من الشبيبة. وهذه الاعتداءات والإدمان، والعنف والانحراف، هي من بين الأسباب التي تقود الشبيبة إلى السجن، ولها تبعاتها الخاصّة في بعض الجماعات العرقية والاجتماعية”[29].

73.          إن العديد من الشبّان قد أدخلوا في أيديولوجيات وتمّ استغلالهم واستخدامهم كعلف للمدافع أو قوّة صادمة لتدمير الآخرين أو ترويعهم أو السخرية منهم. والأسوأ من ذلك، هو أن العديد منهم يصبحون أنانيين، معادين وحذرين من الآخرين. وبهذه الطريقة، يصبحون فريسة سهلة للاستراتيجيات الوحشيّة والمدمّرة التي تصنعها مجموعات سياسية أو قوى اقتصادية.

74.          والأكثر عددا في العالم هم “الشبيبة الذين يعانون من أشكال التهميش والاستبعاد الاجتماعي لأسباب دينية أو عرقية أو اقتصادية. لنذكر محنة الفتيات والمراهقات الحوامل، ووباء الإجهاض، فضلًا عن انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، وأشكال مختلفة من الإدمان (المخدّرات، لعب القمار، والمواد الإباحية، وما إلى ذلك). وأوضاع أطفال الشوارع والشبيبة الذين ليس لديهم منزل أو أسرة أو موارد اقتصادية”[30]. وعندما يتعلق الأمر بالنساء، تصبح حالات التهميش هذه مؤلمة وصعبة بشكل مضاعف.

75.          لا نقدر أن نكون كنيسة لا تبكي إزاء مأساة أبنائها الصغار هذه. وعلينا ألا نعتاد على ذلك، لأن من لا يعرف كيف يبكي ليس بأمٍّ. نريد أن نبكي حتى يكون المجتمع أيضًا أكثر أمومة، كيما يتعلّم أن يلد بدل أن يقتل، كيما يكون وعدًا بالحياة. نبكي عندما نتذكّر الشبيبة الذين ماتوا من البؤس والعنف، ونطلب من المجتمع أن يتعلّم أن يكون أمًّا متعاطفة. إن هذا الألم لا يرحل، بل يسير معنا، لأنه لا يمكن إخفاء الحقيقة. وأسوأ شيء يمكننا القيام به هو تبنّي وصفة الروح الدنيوية التي تقضي بتخدير الشبيبة عبر أخبار أخرى، وملهيّات أخرى، وتفاهات.

76.          ربما “لا نعرف، نحن الذين نعيش حياة دون احتياجات كثيرة، كيف نبكي. هناك بعض الوقائع في الحياة لا يمكن أن نراها إلّا بأعينٍ غَسَلتها الدموع. أدعو كلّ واحد منكم أن يسأل نفسه: هل تعلّمت البكاء؟ هل تعلّمت أن أبكي عندما أرى طفلًا جائعًا، أو طفلًا تحت تأثير المخدرات في الشارع، أو طفلًا بدون منزل، أو طفلًا مهجورًا، أو طفلًا تمّ الاعتداء عليه، أو طفلًا مستعبد من قبل المجتمع؟ أم أن دموعي هي دموع تذمّر لأنني أريد المزيد؟”[31]. حاول أن تتعلّم البكاء من أجل الشبيبة الذين هم في حالة أسوأ من حالتك. من الممكن التعبير عن الرحمة والتعاطف أيضًا عبر البكاء. إذا لم تذرف الدموع، أطلب من الربّ أن يجعلك تذرف الدموع بسبب معاناة الآخرين. عندما تتعلّم كيف تبكي، عندها فقط ستتمكن من أن تصنع شيئًا للآخرين من القلب.

77.          إن ألم بعض الشبيبة أحيانًا، يكون مؤلمًا للغاية. وهو ألم لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. ألم يصدمنا. ولله وحده، يقدر هؤلاء الشبيبة أن يقولوا بأنهم يعانون كثيرًا، وأنهم يواجهون صعوبة في الاستمرار، وأنهم لم يعودوا يؤمنون بأيّ شخص. ولكن، في ذاك النحيب القاتم، تحضر كلمات يسوع: “طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون” (متى 5، 4). هناك شبيبة يستطيعون شقّ طريقهم في الحياة، لأن الوعد الإلهيّ بلغهم. أرجو أن يكون هناك دائمًا بجانب شابّ يعاني جماعةٌ مسيحيّة تقدر أن ترجع صدى هذه الكلمات عبر الأعمال، والعناق والمساعدة الملموسة.

78.          صحيح أن الأقوياء يقدّمون بعض المساعدات، لكن غالبًا ما يكون ثمنها باهظًا. وفي كثير من البلدان الفقيرة، عادة ما تكون المساعدات الاقتصادية التي تقدّمها بعض الدول الغنيّة أو الوكالات الدوليّة، مرتبطة بقبول اقتراحات غربيّة تتعلّق بالجنس أو الزواج أو الحياة أو العدالة الاجتماعية. هذا الاستعمار الإيديولوجي يؤذي الشبيبة بشكل خاص. ونرى في الوقت عينه كيف أن نوعًا معيّنًا من الإعلانات يعلّم الشبيبة ألا يشبعوا أبدًا ويساهم في ثقافة الهدر، حيث يتحوّل الشبيبة أنفسهم إلى مواد للهدر.

79.          إن ثقافتنا الحالية تقدّم نموذجًا عن الشخص يرتبط بشكل كبير بصورة الشباب. فالشخص الجميل هو الذي يبدو شابّا، والذي يخضع لعلاجات تخفي آثار الزمن. كما أن الأجساد الشابة تستخدم باستمرار في الإعلانات بهدف بيع المنتجات. نموذج الجمال هو نموذج شابّ، لكن علينا الانتباه، لأن هذا ليس بمدح للشبيبة. إنه يعني فقط أن الراشدين يريدون سلب الشباب لأنفسهم، وليس لأنهم يحترمون الشبيبة ويحبّونهم ويعتنون بهم.

80.          إن بعض الشبيبة “يجدون التقاليد الأسرية قمعية ويهربون منها تحت حافز ثقافة العولمة التي تحرمهم أحيانا من نقاط مرجعية. في أجزاء أخرى من العالم، هناك أكثر من صراع بين الأجيال يفصل الشبيبة عن البالغين، هناك غربة متبادلة. ويفشل الكبار أحيانًا في نقل القيم الأساسية للحياة، أو حتى أنهم لا يحاولون، بل يتبنّون نمط الشبيبة، فيقلبون العلاقة بين الأجيال. وبالتالي، فإن العلاقة بين الشبيبة والبالغين تكاد تبقى على المستوى العاطفي، غافلة عن جوانبها التعليمية والثقافية”[32]. كم أن هذا مضرّ بالشبيبة، على الرغم من أن البعض لا يلاحظ ذلك! إن الشبيبة أنفسهم قد جعلونا نلاحظ كم أن هذا الأمر يجعل من الصعب جدًّا نقل الإيمان “في بعض البلدان حيث لا توجد حرّية التعبير، وحيث يُمنعون من المشاركة في الكنيسة”[33].

رغبات، جراح وتساؤلات

81.          يدرك الشبيبة أن الجسد والجنس لهما أهمّية أساسية في حياتهما وفي مسيرة نموّ هويتهم. ومع ذلك، في عالم يشدد بشكل مفرط على الحياة الجنسية، من الصعب الحفاظ على علاقة جيدة مع جسده والعيش بهدوء في علاقات عاطفية. لهذا السبب ولأسباب أخرى، غالبًا ما تكون القواعد الأخلاقية الجنسية مصدر “سوء فهمٍ وبعدٍ عن الكنيسة، حيث ينظر إليها كمكان للحكم والإدانة”. في الوقت عينه، يعبّر الشبيبة عن “رغبة صريحة في مناقشة الأسئلة المتعلّقة بفرق الهويّة بين الذكر والأنثى، والتبادلية بين الرجال والنساء، والمثلية الجنسية”[34].

82.          إن تطوّر العلوم والتكنولوجيات الطبّية الحيويّة في عصرنا، “قد أثّر بقوّة على المفاهيم حول الجسم، مما أدّى إلى فكرة أنه قابل للتعديل دون حدود. القدرة على التدخّل في الحمض النووي، وإمكانية إدخال عناصر اصطناعية في الكائنات (cyborgs) وتطوير العلوم العصبية، تشكّل موردًا عظيمًا، ولكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة أنثروبولوجية وأخلاقية”[35]. ويمكن أن تجعلنا ننسى أن الحياة هي هبة، وأننا مخلوقات محدودة، وأنه يمكن استغلالنا بكلّ سهولة من قبل أولئك الذين يملكون القدرة التكنولوجية[36]. “علاوة على ذلك، في بعض سياقات الشبيبة، هناك انتشار متزايد للانجذاب نحو المخاطرة كوسيلة لاستكشاف الذات، والبحث عن الإثارة وعن اكتساب الاهتمام [...] هذه الحقائق، التي تتعرّض لها الأجيال الناشئة، تشكّل عقبة لعملية نضجٍ هادئ”[37].

83.          يعاني الشبيبة أيضًا من نكسات وخيبات أمل وذكريات مؤلمة للغاية. وغالبًا ما تكون “جراح الفشل في تاريخهم الخاص، والرغبات المحبطة، وتجارب التمييز والظلم، والشعور بأنهم غير محبوبين وغير مقبولين”. ثم هناك أيضًا “جروح أخلاقيّة، وعبء أخطاء الماضي، والشعور بالذنب لارتكاب الأخطاء”[38]. يسوع يحضر وسط صلبان الشبيبة هذه؛ كي يقدّم لهم صداقته، وعزاءه، ورفقته الشافية. وتريد الكنيسة أن تكون أداة يسوع في مسيرة الشفاء الداخليّ هذه وسلامة القلب.

84.          نرى في بعض الشبيبة توقًا لله، وإن كان لا يزال غامضًا وبعيدًا عن معرفة إله الوحي. ونلمح عند آخرين حلمًا بالأخوّة البشرية، وهذا ليس بالأمر اليسير. كثيرون لديهم رغبة حقيقيّة في تطوير مواهبهم من أجل تقديم شيء لعالمنا. ونرى في بعضهم، حساسيّة فنّية خاصّة، أو شوق إلى الانسجام مع الطبيعة. وهناك في حالات أخرى، ربّما، حاجة كبيرة للتواصل. ونجد في العديد منهم، رغبة عميقة في عيش حياة مختلفة. إنها نقاط انطلاق حقيقيّة، وألياف داخلية تنتظر بانفتاح كلمةَ تحفيزٍ ونور وتشجيع.

85.          لقد تناول السينودس ثلاثة مواضيع ذات أهمّية قصوى على وجه الخصوص. وأودّ أن اقتبس استنتاجاتها حرفيًّا، على الرغم من أنها تدعو إلى قدر أكبر من التحليل وإلى تطوير قدرة على الاستجابة أكثر ملاءمة وفعاليّة.

البيئة الرقمية

86.          “إن البيئة الرقميّة هي سمة من سمات العالم المعاصر. وهي تغمر قطاعات واسعة من الإنسانية بطريقة عاديّة ومستمرّة. وهي ليست مجرّد “استخدام” لوسائل الاتّصال، بل عيش في ثقافة أصبحت بمعظمها رقميّة، وهي تؤثّر بشكل عميق على مفهوم الزمان والمكان، وعلى فهمنا الذاتيّ، وفهمنا للآخرين وللعالم، وطريقتنا بالتواصل والتعلم والاستعلام والدخول في علاقة مع الآخرين. إنها مقاربة للواقع تعطي الأولويّة للصور قبل الاصغاء والقراءة، وأثّرت في طريقة تعلّم الناس وتنمية حسّهم النقدي”[39].

87.          لقد خلق الإنترنت والشبكات الاجتماعية طريقة جديدة للتواصل ولخلق الروابط، وهي “ساحة عامّة حيث يقضي الشبيبة الكثير من وقتهم ويلتقون بسهولة مع بعضهم البعض، حتى وإن لم يكن لجميعهم إمكانيّة الحصول عليها بطريقة متساوية، خاصّة في بعض مناطق العالم. وهي توفّر في بعض الأحيان، فرصة استثنائية للحوار واللقاء والتبادل بين الأشخاص، فضلًا عن الحصول على المعلومات والمعرفة. من ناحية أخرى، يشكّل العالم الرقمي إطار مشاركة اجتماعية-سياسية ومواطنة ناشطة، ويمكنه تسهيل تداول المعلومات المستقلّة التي توفّر حماية فعّالة لأكثر الفئات ضعفًا، وتسلّط الضوء على انتهاك حقوقهم. في العديد من البلدان، تمثّل شبكات الإنترنت والشبكات الاجتماعية مكانًا لا غنى عنه للوصول إلى الشبيبة وإشراكهم، حتى في المبادرات والأنشطة الرعوية”[40].

88.          ولكن، كي نفهم هذه الظاهرة ككلّ، علينا أن نقرّ بأن لها نصيبها من القيود وأوجه القصور، على غرار كلّ واقع إنساني. من غير السليم أن نخلط التواصل مع مجرّد الاتّصال الافتراضي. في الواقع، “إن البيئة الرقمية هي أيضًا أرض العزلة والتلاعب والاستغلال والعنف، وصولًا إلى حالة “الشبكة السوداء” القصوى”. يمكن لوسائل الإعلام الرقمية أن تعرّض الناس لخطر الإدمان والعزلة وفقدان الاتّصال تدريجيًّا مع الواقع الملموس، مما يعوق تطوير علاقات شخصيّة حقيقية. وتنتشر أشكال جديدة من العنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي: البلطجة الإلكترونية على سبيل المثال. شبكة الإنترنت أيضًا هي قناة لنشر المواد الإباحية واستغلال الأشخاص، لأغراض جنسية أو من خلال لعب القمار”[41].

89.          لا ينبغي أن ننسى أن “هناك مصالح اقتصادية ضخمة تعمل في العالم الرقمي، قادرة على ممارسة أشكال من السيطرة بطريقة مخفيّة وتدميريّة، وخلق آليّات للتلاعب بالضمير وبالعملية الديمقراطية. والطريقة التي تعمل بها العديد من المنصّات غالبًا ما تتوصّل إلى جمع أشخاص يفكّرون بنفس الطريقة، فتعوّق المواجهة بين الاختلافات. وهذه الدوائر المغلقة تسهّل انتشار الأخبار المزوّرة والمعلومات الكاذبة، وإثارة التحيّز والكراهية. أمّا انتشار الأخبار المزيّفة فهو تعبير عن ثقافة فقدت الإحساس بالحقيقة وتُخضِع الحقائقَ لمصالح معيّنة. فتتعرّض سمعة الأشخاص للخطر من خلال الأحكام الموجزة التي تتمّ عبر الإنترنت. الكنيسة ورعاتها ليسوا معفيّين من هذه الظاهرة”[42].

90.          في وثيقة أعدّها ثلاثمائة شابّ حول العالم عشيّة انعقاد السينودس، يشيرون إلى أن العلاقات عبر الإنترنت يمكن أن تصبح غير إنسانية. “فالمساحات الرقمية تعمينا عن ضعف الآخرين وتعوق التفكير الشخصي. مشاكل مثل المواد الإباحية تشوّه مفهوم الشابّ عن النشاط الجنسي للإنسان. وتخلق التكنولوجيا المستخدمة بهذه الطريقة واقعًا وهميًّا موازيًا يتجاهل كرامة الإنسان”[43]. بالنسبة للكثير من الناس، لقد أدّى الانغماس في العالم الافتراضي نوعًا من “الهجرة الرقمية”، أي الانفصال عن الأسرة، وعن القيم الثقافية والدينية، الذي يقود الكثير من الأشخاص إلى عالم من العزلة وإلى “اختراع ذاتي”، وصولًا إلى الشعور بفقدان الجذور حتى عندما يبقى جسديًّا في المكان نفسه. إن الحياة الجديدة والحيوية للشبيبة الذين يرغبون في تأكيد شخصيّتهم اليوم تواجه تحدّيًا جديدًا: التفاعل مع عالم حقيقي وافتراضي يدخلون فيه وحدهم، كما لو كانوا يدخلون في قارة عالميّة مجهولة. والشبيبة اليوم هم أوّل من يضطّر إلى تطبيق هذا التوليف بين ما هو شخصيّ وما يميّز كلّ ثقافة وما هو عالمي. وهذا يعني أنه يجب عليهم إيجاد طرق للانتقال من الاتّصال الافتراضي إلى التواصل الجيّد والسليم.

 

المهاجرون كنموذج في عصرنا

91.          كيف لا نفكّر في كلّ هؤلاء الشبيبة الذين تطالهم حركات الهجرة؟ إن ظاهرة الهجرة، “هي ظاهرة هيكلية وليست حالة طارئة عابرة. قد تحدث داخل دولة واحدة أو بين بلدان مختلفة. ويتركّز اهتمام الكنيسة بشكل خاص على أولئك الذين يهربون من الحروب، والعنف، والاضطهاد السياسي أو الديني، ومن الكوارث الطبيعية بما في ذلك الكوارث الناجمة عن تغيّر المناخ، ومن الفقر المدقع: كثير منهم هم من الشبيبة. إنهم يبحثون بشكل عام، عن فرص لأنفسهم ولأسرهم. يحلمون بمستقبل أفضل ويريدون تهيئة الظروف لتحقيقه”[44]. ويذكّرنا المهاجرون “بجانب أساسيّ من إيماننا، أي بأننا “غُرَباءُ نُزَلاءُ في الأَرض” (عب 11، 13)”[45].

92.          تجذب الثقافة الغربية “مهاجرين آخرين، مع تطلّعات غير واقعيّة أحيانًا تعرضهم لخيبة أمل كبيرة. فيستغلّ المتّاجرون عديمو الضمير -الذين غالبًا ما يرتبطون بعصابات المخدّرات أو الأسلحة- ضعفَ المهاجرين، الذين غالباً ما يتعرّضون طوال رحلتهم للعنف والاتّجار بالبشر والاعتداء النفسي والجسدي والمعاناة التي لا توصف. وتجدر الإشارة إلى هشاشة المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم، وحالة أولئك الذين يضطّرون لقضاء سنوات طويلة في مخيّمات اللاجئين أو الذين يبقون عالقين لفترة طويلة في بلدان العبور، وغير قادرين على مواصلة دراستهم أو تطوير مهاراتهم. وتتسبّب ظاهرة الهجرة في بعض البلدان المضيفة، بشعور بالخوف والقلق، وغالبًا ما يتمّ إثارته واستغلاله لأغراض سياسية. وهذا يؤدّي إلى انتشار عقليّة كراهية الأجانب، لدى أشخاص منغلقين على أنفسهم، وهذا يحتاج إلى معالجة حاسمة”[46].

93.          “يضطّر المهاجرون الشبّان إلى الانفصال عن إطارهم الأصليّ، وغالبًا ما يختبرون فقدان جذورهم الثقافية والدينية. كما أن المجتمعات المحلّية التي تخلّفها وراءها تعاني من التجزّؤ، إذ تفقد عناصرها الأكثر نشاطا وجرأة، والأسر، خاصّة عندما يهاجر أحد الوالدين أو كلاهما، تاركًا الأطفال في بلد المنشأ. للكنيسة دور مهمّ كنقطة مرجعية للأعضاء الشباب في هذه العائلات المقسّمة. ومع ذلك، فإن قصص المهاجرين هي أيضًا قصص لقاء بين أفراد وبين ثقافات: فالمهاجرون يشكّلون، بالنسبة للجماعات والمجتمعات التي يأتون إليها، فرصة للإثراء والتنمية البشرية المتكاملة للجميع. وتلعب مبادرات الضيافة المتصلة بالكنيسة دورًا مهمًّا من هذا المنظور، ويمكنها إعادة إحياء المجتمعات القادرة على تحقيقها”[47].

94.          ”لقد عاش السينودس، نظرًا لأصول الآباء المتنوّعة، لقاء بين مختلف المقاربات حول موضوع المهاجرين، خاصّة بين بلدان المغادرة وبلدان الوصول. وأعربت تلك الكنائس أيضًا عن قلقها الشديد، حيث يشعر أعضاؤها بأنهم مجبرون على الهروب من الحرب والاضطهاد والذين يرون في هجراتهم القسريّة تهديدًا لبقائهم. إن فعل احتضان الكنيسة في داخلها لكلّ هذه المنظورات المختلفة، يسمح لها بلعب دور نبويّ في المجتمع فيما يتعلّق بقضيّة الهجرة”[48]. أحثّ الشبيبة بصفة خاصة، على عدم الوقوع في أيدي أولئك الذين يريدون وضعهم في مواجهة مع شبيبة آخرين، وصلوا حديثًا إلى بلدانهم، ويشجّعونهم على رؤيتهم كتهديد، وكأنهم لا يتمتّعون بنفس الكرامة غير القابلة للتصرّف التي يتمتّع بها كلّ إنسان.

وضع حّد لجميع أنواع الاعتداءات

95.          لقد تمّ حثّنا بقوّة في الآونة الأخيرة، على الاستماع إلى صرخة ضحايا مختلف أنواع الاعتداءات التي يرتكبها بعض الأساقفة والكهنة والرهبان والعلمانيين. إن هذه الخطايا تسبّب في ضحاياها “معاناة يمكن أن تدوم مدى الحياة والتي لا يمكن لأيّة توبة أن تعالجها. هذه الظاهرة هي منتشرة جدًّا في المجتمع وتطال أيضًا الكنيسة وتمثّل عقبة خطيرة أمام رسالتها”[49].

96.          صحيح أن “آفة الاعتداء الجنسي على القاصرين، للأسف، هي ظاهرة منتشرة تاريخيًا في جميع الثقافات والمجتمعات”، لا سيّما داخل الأسر وفي مختلف المؤسّسات؛ وأصبح امتدادها معروفًا بشكل أساسي “بفضل التغييرات في حساسيّة الرأي العام”. ومع ذلك، فإن هذه المشكلة، رغم كونها عالميّة و “تؤكّد خطورتها في مجتمعاتنا، لا تقلّل من شناعتها داخل الكنيسة”. في الواقع، “إن الكنيسة ترى في غضب الشعب المبرّر، انعكاسًا لغضب الله الذي ذاق الخيانة والصفع”[50].

97.          “يؤكّد السينودس مجدّدًا الالتزام الراسخ باتّخاذ تدابير وقائيّة صارمة تهدف إلى تجنّب تكرار هذه الجرائم، بدءًا باختيار أولئك الذين سيعهد إليهم بالمسؤولية وبمهام تعليميّة وتنشئتهم”[51]. وفي الوقت نفسه، يجب التأكيد على التصميم على تطبيق “الإجراءات والعقوبات عند الضرورة”[52]. وكلّ هذا بنعمة المسيح. لا يمكن العودة إلى الوراء.

98.          “هناك أنواع مختلفة من الاعتداءات: إساءة استخدام السلطة والمال، وانتهاك الضمير، والاعتداء الجنسيّ. من الواضح أنه يجب القضاء على طرق ممارسة السلطة التي تجعل كلّ هذا ممكنًا، ويجب التصدّي لنقص المسؤولية والشفافية التي تمّ التعامل بها في العديد من القضايا. إن الرغبة في الهيمنة، وعدم الحوار والشفافية، وأشكال الحياة المزدوجة، والفراغ الروحي، فضلًا عن نقاط الضعف النفسي، هي التربة التي يزدهر فيها الفساد”[53]. والإكليروسية هي تجربة دائمة للكهنة الذين يرون “الخدمة التي دُعوا إليها كسلطة يمارسونها، لا كخدمة مجّانية وسخيّة يقدّمونها؛ وهذا يقود إلى الظنّ أنهم ينتمون إلى مجموعة لديها كلّ الإجابات، وليسوا بحاجة إلى أن يصغوا أو أن يتعلّموا أيّ شيء”[54]. ومما لا شكّ فيه، أن هذه الإكليروسية تقدر أن تجعل الأشخاص المكرّسين يفقدون الاحترام لقيمة كلّ شخص المقدّسة وغير القابلة للتصرّف ولحرّيته.

99.          مع آباء السينودس، أودّ التعبير بمودّة وامتنان عن “شكري لأولئك الذين لديهم الشجاعة للإبلاغ عن الشرّ الذي عانوا منه: فهم يساعدون الكنيسة على إدراك ما حدث وضرورة الردّ بشكل حاسم”[55]. جدير بالشكر أيضًا “الالتزام السخيّ لعدد لا يحصى من العلمانيين، والكهنة، والمكرّسين، والأساقفة الذين يكرّسون أنفسهم يوميًّا بنزاهة وتفانٍ في خدمة الشبيبة. إن جهودهم تشبه غابة كبيرة تنمو دون ضجيج. كما أعرب العديد من الشبيبة الحاضرين في السينودس عن امتنانهم لأولئك الذين يرافقونهم، وأكّدوا على الحاجة الكبيرة لأشخاص يكونون لهم نقاطًا مرجعية”[56].

100.     أشكر الله على أن الكهنة الذين ارتكبوا هذه الجرائم البشعة ليسوا أغلبية الكهنة، الذين يقومون بخدمتهم بأمانة وسخاء. أطلب من الشبيبة أن يستلهموا من هذه الأغلبية الساحقة. على أيّ حال، إذا رأيتم كاهنًا في خطر، لأنه فقد فرح خدمته، أو كان يسعى إلى الحصول على تعويض عاطفي، أو كان يسلك الطريق الخطأ، فذكّروه بالتزامه تجاه الله وشعبه، وبشّروه بالإنجيل وشجّعوه على الاستمرار في الطريق الصحيح. وبهذه الطريقة، سوف تقدّمون مساعدة ثمينة للغاية في أمر أساسي: منع تكرار هذه الفظائع. وتتحوّل هذه السحابة السوداء إلى تحدٍّ أيضًا للشبيبة الذين يحبّون يسوع المسيح وكنيسته: لأنهم يستطيعون المساهمة كثيرًا في هذا الجرح إذا استخدموا قدرتهم على التجديد، وعلى المطالبة بالتناسق والشهادة، وعلى الحلم من جديد وإعادة الإبداع.

101.     هذه ليست الخطيئة الوحيدة لأعضاء الكنيسة، التي يحتوي تاريخها على الكثير من الظلال. إن خطايانا هي على مرأى الجميع. فهي تنعكس دون رحمة في تجاعيد وجه أمنا ومعلمتنا الذي بلغ عمرها الألفي عام. لأنها تسير منذ ألفي سنة، وتقاسم “أفراح البشر وآمالهم، وأحزانهم وهمومهم”[57]. وتسير كما هي، من دون جراحات تجميل. ولا تخاف أن تظهر خطايا أعضائها، والتي يحاول بعضهم إخفاءها أحيانا، في ضوء كلمة الإنجيل التي تطهّر وتنقّي. كما أنها لا تتوقف عن تلاوة المزمور يوميا، بحرج: “إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ [...] خَطيئَتي أَمامي في كُلِّ حين” (مز 51، 3. 5). لكن لنتذكّر أننا لا نتخلّى عن الأم عندما تكون جريحة، إنما نرافقها كيما تخرج كل قوتها وقدرتها على البدء من جديد دائما.

102.     في خضمّ هذه المأساة التي تجرح روحنا، وبحقّ، يقدّم “الربّ يسوع لكنيسته، الذي لا يتخلّى عنها أبدًا، القوّة والأدوات اللازمة لمسيرة جديدة”[58]. وهكذا، فإن هذا الوقت المظلم، “بمساعدة الشبيبة الثمينة، يمكن أن يكون حقًا فرصة إصلاحٍ ذي طابع تاريخي”[59]، كي ننفتح على عنصرة جديدة ونبدأ مرحلة من التطهير والتغيير تمنح الكنيسة شبابًا متجدّدًا . لكن الشبيبة يستطيعون تقديم مساعدة أكبر بكثير إذا شعروا بأنهم جزء من “شعب الله المقدّس والصبور الذي يسانده الروح القدس ويحييه”، لأن “شعب الله المقدس هذا بالتحديد هو الذي سوف يحرّرنا من آفة الإكليروسية، التي هي تربة خصبة لجميع هذه الرجاسات”[60].

هناك مخرجٌ

103.     لقد ركّزت في هذا الفصل على النظر إلى واقع الشبيبة في عالم اليوم. سوف تظهر بعض الجوانب الأخرى في الفصول التالية. كما قلت سابقًا، أنا لا أدّعي أن أكون شاملًا في هذا التحليل. وأحثّ الجماعات المحلية على إجراء دراسة لواقعها الشبابي الأقرب، بكلّ احترام وجدية، من أجل تحديد المسارات الرعوية الأنسب. لكنني لا أريد أن أختتم هذا الفصل دون أن أوجه بعض الكلمات لكل واحد منكم.

104.     أذكّرك بالبشرى التي أعطيت لنا صباح القيامة: فهناك مخرج لكلّ الأوضاع المظلمة أو المؤلمة التي نتحدث عنها. على سبيل المثال، صحيح أن العالم الرقمي يمكن أن يعرضك لخطر الانغلاق على نفسك أو العزلة أو المتعة الفارغة. ولكن لا تنسى أن هناك شبانًا مبدعين في هذه المجالات وأحيانًا بارعين. وهذه هي حالة الشابّ المكرّم كارلو أكوتيس.

105.     كان يعلم جيداً أن هذه الآليات الخاصة بالاتصالات والإعلان والشبكات الاجتماعية يمكن استخدامها لإدخالنا في “سبات” وجعلنا مدمنين على الاستهلاك وعلى المستجدّات التي يمكننا شراؤها، مهووسين بوقت الفراغ، ومنغلقين في السلبية. لكنه عرف كيف يستخدم تقنيّات الاتّصال الجديدة كي ينقل الإنجيل، ويوصّل القيم والجمال.

106.     لم يقع في الفخ. ورأى أن العديد من الشبيبة، رغم أنهم يبدون مختلفين، يصبحون في النهاية مثل الآخرين، يركضون وراء ما يفرضه القويّ عليهم من خلال آليّات الاستهلاك والادهاش. وبهذه الطريقة، لا يدعون المواهب التي منحهم إيّاها الربّ تزهر، ولا يقدّمون إلى هذا العالم القدرات الشخصية والفريدة التي زرعها الله في الجميع. وهكذا يحدث، قال كارلوس: “كلهم يولدون كأشخاص أصيلين، ولكن الكثير يموتون كنسخ مصوّرة”. لا تسمح بأن يحدث هذا لك.

107.     لا تسمح بأن يسلبوا منك الرجاء والفرح، وأن تُخدَّر كي يستخدموك كعبد لمصالحهم. بل اجرؤ على أن تكون أكثر من هذا، لأن وجودك أهمّ من أيّ شيء آخر. لا تحتاج إلى الامتلاك ولا للظهور. يمكنك أن تتوصّل لأن تكون ما يعرفه الله، خالقك، أنك ستكونه، إذا أدركت أنك مدعوّ إلى الكثير. اطلب الروح القدس وامشِ بثقة نحو الهدف الأعظم: القداسة. بهذه الطريقة لن تكون نسخة مصوّرة. بل تكون نفسك بالكامل.

108.     ولذا عليك أن تعترف بشيء أساسي: إن كونك شابًا لا يعني مجرد البحث عن الملذات العابرة والنجاحات السطحية. كي يتمكن الشباب من تحقيق غرضه في مسار حياتك، يجب أن يكون وقت عطاء سخيّ، وهبة صادقة، وتضحيات مكلفة لكنها تجعلنا خصبين. وكما يقوله شاعر عظيم:

“إن كنتُ، من أجل أن أسترجع ما استرجعته،

كان عليّ أن أفقد ما فقدته،

وإن كنتُ، كي أنال ما نلته،

كان عليّ أن أتحمّل ما تحمّلت

إن كنت، كي أعشق اليوم

كان عليّ أن أُجرح، فإذًا

كان من الصواب أن أعاني ما عانيت،

وكان من الصواب أن أبكي ما بكيت

لأني استنتجت بعد كل شيء،

أن المرء لا يتمتع بما يتمتع،

إلّا بعد أن يعانى منه،

لأني فهمت بعد كل شيء،

أن ما هو مزهر في الشجرة،

إنما يحيا ممّا لها من مدفون تحت الأرض”[61].

109.     إذا كنت صغير السنّ، ولكنك تشعر بالضعف أو التعب أو الإحباط، اطلب من يسوع أن يجدّدك. فمعه لا تفقد الرجاء. ويمكنك أن تصنع الشيء نفسه إن كنت مغموسًا في الرذائل أو العادات السيئة أو الأنانية أو الراحة التي تمرضك. فيسوع، المليء بالحياة، يريد أن يساعدك لأن الأمر يستحق أن تكون شابًا. وهكذا لن تحرم العالم من المساهمة التي لا يمكن لأحد غيرك أن يعطيها، كونك كما أنت فريدا ولا تكرّر.

110.     ولكني أريد أيضًا أن أذكّرك أنه “من الصعب جدًّا أن نحارب الشهوات الشخصية ومكائد وتجارب الشيطان والعالم الأناني إن كنّا منعزلين. إن “القصف” قويّ لدرجة أنه يغرينا، إن كنّا وحيدين للغاية، ونفقد بكلّ سهولة معنى الواقع، والصفاء الداخلي، ونستسلم”[62]. هذا ينطبق بشكل خاص على الشبيبة، لأنكم معا تتمتعون بقوّة رائعة. وعندما تتحمّسون لحياة جماعية، أنتم قادرون على تقديم تضحيات عظيمة للآخرين وللجماعة. لكن العزلة، على العكس، تضعفكم وتعرّضكم لأسوأ شرور عصرنا.

الفصل الرابع

البشارة العظمى لكلّ الشبيبة

111.     بغضّ النظر عن أيّ ظرف من الظروف، أودّ الآن أن أبشّر جميع الشبيبة بالأمر الأهمّ، والأوّل، والذي يجب ألّا نصمت عنه مطلقًا. إنها بشارة تتضمّن ثلاث حقائق عظيمة يجب أن نسمعها على الدوام، مرارًا وتكرارًا.

إله هو محبّة

112.     قبل كلّ شيء أودّ أن أعلن لكلّ منكم الحقيقة الأولى: “الله يحبّك”. إن كنت قد سمعت هذا، لا يهمّ، أودّ أن أذكّرك به: الله يحبّك. لا تشكّ في ذلك أبدًا، مهما يحدث لك في الحياة. في أيّ ظرف من الظروف، أنت محبوب بلا حدود.

113.     ربّما لم تكن تجربة الأبوّة التي مررت بها هي الأفضل، فربّما كان والدك الأرضيّ بعيدًا أو غائبًا، أو على العكس، كان مهيمنًا وتملّكيًّا. أو أنه ببساطة ليس الأب الذي تحتاجه. لا أعلم. لكن ما يمكنني أن أقوله لك يقينًا هو أنه يمكنك أن ترتمي بكل أمان في أحضان والدك الإلهي، الله الذي أعطاك الحياة والذي يعطيها لك في كلّ لحظة. سوف يساندك بقوة، وستشعر، في الوقت نفسه، أنه يحترم حريتك بالتمام.

114.     نجد في كلمته العديد من التعبيرات عن حبّه. يبدو كما لو أنه كان يبحث عن طرق مختلفة لإظهار حبّه، ليرى ما إذا كانت قد وصلت إحدى هذه الكلمات إلى قلبك. فيشبه أحيانًا، على سبيل المثال، أولئك الآباء المحبّين الذين يلعبون مع أبنائهم: “بِرَوابِطِ الحُبِّ اجتَذَبتُهم وكُنتُ لَهم كمَن يَرفَعُ الرَّضيعَ إِلى وَجنَتَيه” (هو 11، 4). ويظهر أحيانًا مفعمًا بحبّ الأمّهات اللواتي يحببن أبناءَهنّ بصدق؛ بحبٍّ عظيم لا يعرف النسيان ولا التخلّي: “أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ فأَنا لا أَنْساكِ” (أش 49، 15). حتى أنه يظهِر نفسه كعاشقٍ، نَقَشَ الشخصَ المحبوب على راحة يده، حتى يتمكّن من رؤية وجهه على الدوام: “هاءَنَذا على كَفَّيَّ نَقَشتُكِ وأسْوارُكِ أَمامَ عَينَيَّ في كُلِّ حين” (أش 49، 16). ويظهِر أحيانًا أخرى قوّةَ وحزمَ حبّه الذي لا يُقهر: “إِنِ ابتَعَدَتِ الجِبالُ وتَزَعزَعَتِ التِّلال فإِنَّ رَأفَتي لن تَبتَعِدَ عنكِ وعَهدَ سَلامي لن يَتَزَعزَع” (أش 54، 10). أو يقول لنا إنه ينتظرنا منذ الأزل، لأننا لم نأتِ إلى هذا العالم بالصدفة. فقبل أن نوجد، كنّا في تدبير حبّه: “أَحبَبتُكِ حُبّاً أَبَدِيّاً فلِذلك اجتَذَبتُكِ بِرَحمَة” (إر 31، 3). أو يجعلنا نلاحظ أنه يعرف كيف يرى جمالنا؛ الجمال الذي لا يمكن لأيّ شخص آخر أن يراه: “قد صِرتَ كَريماً في عَينَيَّ ومَجيداً فإِنِّي أَحبَبتُكَ” (أش 43، 4). أو يقودنا إلى اكتشاف أن حبّه ليس حزينًا، بل فرحًا خالصًا يتجدّد عندما نسمح له بأن يحبّنا: “في وَسَطِكِ الرَّبُّ إِلهُكِ الجَبَّارُ الَّذي يُخَلِّص ويُسَرُّ بِكِ فرَحاً ويُجَدِّدُكِ بِمَحَبَّتِه ويَبتَهِجُ بِكِ بِالتَّهْليلِ” (صف 3، 17).

115.     أنت ثمين حقًّا في عينيه، ولست حقيرًا؛ بل أنت مهمّ بالنسبة له، لأنك صنع يديه. ولهذا فهو يهتمّ لأمرك وينظر إليك بحنان. “ثقوا بذاكرة الله: إن ذاكرته ليست “قرصًا صلبًا” يسجّل معلوماتنا كلّها، إن ذاكرته هي قلب تعاطف حنون، يفرح في إلغاء كلّ أثر فينا للشرّ نهائيا”[63]. لا يريد أن يتتبّع إخطاءك وفي أيّ حال، سوف يساعدك على تعلّم شيء ما، حتى من أخطائك. لأنه يحبّك. حاول أن تبقى صامتًا للحظة واسمح له أن يحبّك. حاول إسكات كلّ الأصوات والضوضاء في داخلك، وابقَ لحظة في أحضان حبّه.

116.     إنها “محبّة لا تفرض نفسها ولا تسحق، محبّة لا تهمّش ولا تُسكّت، محبّة لا تذلّ ولا تُخضع. إنها محبّة الربّ، محبّة يوميّة، كتومة وتحترم، محبّة حرّية ومحبّة للحرّية، محبّة تشفي وترفع. إنها محبّة الربّ، التي تعرف النهوض أكثر من السقوط، والمصالحة أكثر من الحظر، وإعطاء الفرص الجديدة أكثر من الإدانة، والمستقبل أكثر من الماضي”[64].

117.     عندما يطلب منك أمرًا ما أو عندما يسمح بكلّ بساطة بأن تواجه التحدّيات التي تحملها لك الحياة، ينتظر أن تمنحه مجالًا ليدفعك على المضيّ قدمًا، وليعزّزك، حتى تنضج. لا يزعجه أن تعبّر عن أسئلتك، لكن ما يقلقه إنما هو أنك لا تتحدّث معه، وأنك لا تنفتح بصدق على الحوار معه. يقول لنا الكتاب المقدّس أن يعقوب صارع الله (را. تك 32، 25- 31)، ولم يفصله هذا الأمر عن طريق الربّ. فهو في الواقع، الذي يحثّنا: “تَعالَوا نَتَناقَش” (أش 1، 18). إن حبّه حقيقيّ وأصيل وملموس لدرجة أنه يقترح علينا علاقة مليئة بالحوار الصادق والمثمر. أخيرًا، اطلب احتضان والدك السماوي، في الوجه المحبّ لشهوده الشجعان على الأرض!

المسيح يخلّصك

118.     الحقيقة الثانية هي أن المسيح، بدافع الحبّ، بذل نفسه حتى النهاية كي يفديك. وذراعاه مفتوحتان على الصليب هما أثمن علامة على أنه صديق قادر على بلوغ أقصى الحدود: “كانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه” (يو 13، 1). قال القدّيس بولس إنه يحيا واضعًا ثقته الكاملة في هذا الحبّ الذي وهب كلّ شيء: “إِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (غل 2، 20).

119.     هذا المسيح الذي خلّصنا على الصليب من خطايانا، ما زال يخلّصنا ويفتدينا اليوم بنفس القوّة الناتجة عن بذل ذاته الكامل. انظر إلى صليبه، وتمسّك به، ودعه يخلّصك، لأن “الذين ينقادون له يحرّرهم من الخطيئة والحزن والفراغ الداخلي والعزلة”[65]. وإذا أخطأت وابتعدت، يعود هو ليقيمك بقوّة صليبه. ولا تنسَ أبدًا “أنه يغفر سبعين مرّة سبع مرّات. إنه يعود ويحملنا على كتفيه المرّة تلو المرّة. لا يستطيع أحد أن ينزع منّا الكرامة التي يهبنا إياها ذاك الحبّ اللامتناهي والذي لا يتزعزع. إنه يسمح لنا بأن نرفع رأسنا ونعاود الكرّة، بحنان لا يخيّبنا أبدًا ويستطيع دائمًا أن يعيد إلينا الفرح”[66].

120.     لقد “خلّصنا يسوع: لأنه يحبّنا ولا يستطيع الاستغناء عنا. يمكننا أن نقوم بأيّ شيء، لكنّه يحبّنا، ويخلّصنا. لأن وحده الذي نحبّه يمكنه أن يخلص. وحده الذي نعانقه يمكن أن يتغيّر. إن حبّ الربّ أكبر من كلّ تناقضاتنا وكلّ هشاشتنا وكلّ صغرنا. ولكن عبر تناقضاتنا بالتحديد وهشاشتنا وصغرنا يريد هو أن يكتب قصّة الحبّ هذه. لقد عانق الابن الضال، واحتضن بطرس بعد أن أنكره، وهو دائمًا يعانقنا، دائمًا، دائمًا، دائمًا، يساعدنا بعد سقوطنا على النهوض والوقوف على أقدامنا. لأن السقوط الحقيقي –انتبهوا لهذا-، السقوط الحقيقي، الذي يستطيع أن يدمّر حياتنا، هو البقاء في وضع السقوط وعدم قبول المساعدة. هناك أغنية رائعة يغنّيها متسلّقو الجبال أثناء تسلّقهم: “في فنّ التسلّق، لا يكمن الانتصار في عدم السقوط، بل في عدم البقاء في وضع السقوط”[67].

121.     إن غفرانه وخلاصه ليسا شيئًا اشتريناه، أو يجب أن نكتسبه بأعمالنا أو بجهودنا. فهو يغفر لنا ويحرّرنا مجّانًا. فعمل بذل ذاته على الصليب هو عظيم لدرجة أننا لا نستطيع ولا ينبغي لنا أن ندفع ثمنه، علينا فقط أن نقبله بامتنان هائل وبفرح كوننا محبوبين أكثر مما يمكننا تخيّله: “هو أَحَبَّنا” (1 يو 4، 19).

122.     أيّها الشبيبة المحبوبون من قِبَلِ الربّ، كم أنتم ثمينون لأنكم افتُديتم بدمِ المسيح الثمين! أيّها الشبيبة الأعزاء، “أنتم لا تُقدَّرون بثمن! لستم سلعة تُباع في المزاد! من فضلكم، لا تسمحوا بأن يشتريكم، أو أن يغويكم، أو أن يستعبدكم الاستعمار الإيديولوجي الذي يملأ عقولنا بأفكار غريبة، فنصبح في النهاية عبيدًا، مدمنين، فاشلين في حياتنا. أنتم لا تُقدَّرون بثمن: عليكم أن تكرّروا دائمًا: لست سلعة، وليست للبيع. أنا حرّ، أنا حرّ! اعشقوا الحرّية، تلك التي يهبها يسوع”[68].

123.     انظر إلى ذراعيّ المسيح المصلوب، واقبل منه الخلاص مرارًا وتكرارًا. وعندما تتقرّب للاعتراف بخطاياك، آمن بشدّة برحمته التي تحرّرك من الذنب. تأمّل في دمه المهراق بحبّ عظيم، ودعه ينقّيك. فيمكنك هكذا أن تولد من جديد، مرارًا وتكرارًا.

إنه حيّ!

124.     ولكن هناك حقيقة ثالثة لا يمكن فصلها عن الحقيقة السابقة: إنه حيّ! يجب أن نذكّر بهذا مرارًا وتكرارًا، لأننا قد نتّخذ يسوع كمثال صالح من الماضي وحسب، كذاكرة، كشخصٍ أنقذنا قبل ألفي عام. هذا لن يفيدنا بشيء، بل سيتركنا كما نحن، ولن يحرّرنا. الشخص الذي يغمرنا بنعمته، الشخص الذي يحرّرنا، الشخص الذي يحولنا، الشخص الذي يشفينا ويساندنا هو شخص حيّ. إنه المسيح القائم من الموت، المليء بحيويّة خارقة، ويغمره نورٌ لا متناهي. ولهذا السبب قال القدّيس بولس: “إِذا لم يَكُنِ المسيحُ قد قام، فإِيمانُكم باطِل” (1 قور 15، 17).

125.     إذا كان حيًّا، فيمكنه أن يكون حاضرًا في حياتك، في كلّ لحظة، كي يملأها بالنور. ولن تشعر بعد بالوحدة أو بالتخلّي. حتى لو ذهب الجميع، فهو يبقى، كما وعد: “هاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم” (متى 28، 20). يملأ كلّ شيء بحضوره غير المرئيّ، وأينما تذهب، سوف يكون في انتظارك. لأنه لم يأتِ في الماضي فقط، ولكنه يأتي كلّ يوم كي يدعوك للتقدّم نحو أفق جديد على الدوام.

126.     تأمّل بيسوع سعيدًا، يفيض فرحًا. ابتهج مع صديقك الذي انتصر. لقد قتلوا القدّيس، البار، البريء، لكنه انتصر. فكلمة الفصل ليست للشرّ. وفي حياتك أيضًا، لن تكون كلمة الفصل للشرّ، لأن صديقك الذي يحبّك يريد أن ينتصر فيك. إن مخلّصك هو حيّ.

127.     وإذا كان حيًّا فهذا ضمانة أنه بإمكاننا صنع الخير في حياتنا، وأن أتعابنا مجدية. يمكننا بالتالي أن نترك الندب وأن نتطلّع للأمام، لأن معه يمكننا التطلّع دومًا للأمام. هذه هي ضمانتنا. يسوع هو الحيّ إلى الأبد. وإن تشبّثنا به فسوف نعيش ونعبر كلّ أشكال الموت والعنف الكامنة طيلة الدرب.

128.     وأيّ حلّ آخر فسوف يكون ضعيفًا ومؤقّتًا. قد يكون مفيدًا لبعض الوقت، ولكن سنجد أنفسنا مجدّدًا دون حماية ومتروكين في العراء. أمّا معه، فالقلب يتجذّر في أمان أساسي، يستمرّ متخطيًّا كلّ شيء. يقول القدّيس بولس إنه يريد أن يتّحد مع المسيح من أجل معرفة “قوّة قيامته” (فيل 3، 10). إنها القوّة التي ستظهر نفسها مرارًا وتكرارًا في حياتك أيضًا، لأنه جاء كي يهبك الحياة، “وتفيض” فيك (يو 10، 10).

129.     إذا توصّلت لأن تقدّر جمال هذه البشارة وتدع الربّ يأتي للقائك؛ إذا سمحت له بأن يحبّك ويخلّصك؛ وإذا دخلت في علاقة صداقة معه، وبدأت تتحدّث مع المسيح الحيّ حول الأشياء الملموسة في حياتك، فستكون هذه تجربة عظيمة، وستكون التجربة الأساسية التي ستدعم حياتك المسيحية. إنها أيضًا التجربة التي يمكنك إيصالها لبقية الشبيبة. لأن المرء لا يصبح “مسيحيًّا نتيجةَ خيار أخلاقيّ أَو فكرة سامية، بل نتيجة لقاء حدثٍ ما، شخصٍ ما، الشخص الذي يُعطي الحياة أفقًا جديدًا واتّجاهًا حاسمًا!”[69].

الروح يعطي الحياة

130.     في هذه الحقائق الثلاث (الله يحبّك، المسيح يخلّصك، وهو حيّ) يظهر الله الآب ويظهر يسوع. وحيث يكون الآب ويسوع المسيح، هناك يكون أيضًا الروح القدس. وهو الذي يحضّر القلوب ويفتحها كي تقبل هذه البشارة، وهو الذي يبقي تجربة الخلاص حيّة، وهو الذي سيساعدك على النموّ في هذا الفرح إذا تركته يتصرّف. إن الروح القدس يملأ القلب بالمسيح القائم، ثم يتسرّب في حياتك مثل الربيع. وعندما تنال الروح القدس، يجعلك تدخل أكثر فأكثر في قلب المسيح كي تزداد امتلاءً من محبّته ونوره وقوّته.

131.     ادعُ الروحَ القدس كلّ يوم، كي يجدّد فيك باستمرار اختبار البشارة العظمى. لم لا؟ أنت لا تخسر أيّ شيء وهو يمكنه أن يغيّر حياتك، ويمكنه أن ينيرها ويمنحها اتّجاهًا أفضل. فهو لا يشوّهك، ولا يسلبك أيّ شيء، بل يساعدك في العثور على ما تحتاجه بأفضل طريقة. هل تحتاج الى الحبّ؟ لن تجده في الفجور، أو في استخدام الآخرين، أو في امتلاك الآخرين، أو في السيطرة عليهم. ستجده بطريقة تجعلك سعيدًا حقًّا. هل تبحث عن القوة؟ لن تختبرها من خلال تجميع الأشياء، وإنفاق الأموال، والركض اليائس وراء أشياء هذا العالم. سوف تنالها بطريقة أكثر جمالًا ومرضية إذا سمحت للروح القدس أن يقودك.

132.     هل تبحث عن الشغف؟ كما تقول تلك القصيدة الجميلة: اعشق! (أو دع نفسك تعشق)، لأنه “ما من شيء أهمّ من إيجاد الله. أي أن تعشقه بطريقة نهائية ومطلقة. وما تعشقه يضبط خيالك، ويتوصّل لأن يترك بصماته على كلّ شيء. فيكون هو الذي يقرّر ما الذي يجعلك تقوم من الفراش في الصباح، وماذا تفعل مع غروب الشمس، وكيف تقضي عطلات نهاية الأسبوع، وما تتصفحه، وما تعرفه، وما الذي يكسر قلبك، وما الذي يملؤك بالفرح والامتنان. اعشق! واستمرّ بعشقك! وكلّ شيء سيكون مختلفًا”[70]. حبّك لله هذا الذي يأخذ الحياة بشغف، هو ممكن بفضل الروح القدس، لأَنَّ “مَحَبَّةَ اللّه أُفيضَت في قُلوبِنا بِالرُّوحَ القُدُسِ الَّذي وُهِبَ لَنا” (روم 5، 5).

133.     إنه نبع للشباب الأفضل. لأن من يثق في الربّ “يَكونُ كالشَّجَرَةِ المَغْروسَةِ على المِياه تُرسِلُ أُصولَها إِلى مَجْرى النَّهْر” (إر 17، 8). وبينما “الفِتْيانُ يَتعَبونَ ويُعيَون” (أش 40، 30)، أولئك الرَّاجونَ لِلرَّبّ “يَتَجَدَّدونَ قُوَّةً يَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالعِقْبان، يَعْدونَ ولا يُعْيَون، يَسيرونَ ولا يَتعَبون” (أش 40، 31).

الفصل الخامس

مسارات الشباب

134.     كيف نعيش الشباب عندما نسمح لبشارة الإنجيل العظيمة بأن تنيرنا وتغيّرنا؟ من المهمّ طرح هذا السؤال، لأن الشباب، أكثر من مصدر تفاخر، هو هبة من الله: “أن تكون شابًّا هو نعمة، هو كنز”[71]. إنها هبة يمكننا أن نبدّدها دون جدوى، أو يمكننا قبولها بامتنان وعيشها بشكل كامل.

135.     إن الله هو مانح الشباب وهو يعمل في حياة كلّ شابّ. الشباب هو زمن مبارك للشابّ ونعمة للكنيسة وللعالم. إنه فرح، إنه أغنية رجاء وغبطة. والاستفادة من سنوات الشباب تستلزم رؤية هذه الفترة من الحياة كفترة تستحقّ العناء في حدّ ذاتها، وليس مجرّد مرحلة انتقاليّة يشعر فيها الشبيبة أنهم مدفوعون نحو سنّ البلوغ.

وقت الأحلام والخيارات

136.     إن انتهاء مرحلة الطفولة، في زمن يسوع، كان خطوة منتظرة في الحياة، يُحتفل بها، وممتعة للغاية. لذا، عندما أعاد يسوع الحياة إلى “الصَّبِيَّة” (مر 5، 39)، جعلها تخطو خطوة إلى الأمام، حوّلها إلى “فتاة” (مر 5، 41). وبقوله لها: “طَليتا قوم!”، جعلها في الوقت عينه أكثر مسؤوليّة عن حياتها، فاتحًا أمامها أبواب الشباب.

137.     “يتميّز الشباب، كمرحلة في تطوّر الشخصية، بأحلامٍ تتجسّد، وبعلاقاتٍ تكتسب دومًا المزيد من الاتّساق والتوازن، وبتجارب واختبارات وخيارات تبني تدريجيًّا مشروع حياة. والشبيبة هم مدعوّون، في هذه المرحلة من الحياة، للمضيّ قدمًا دون الانقطاع عن جذورهم، لبناء استقلاليّتهم، لكن ليس في عزلة”[72].

138.     إن محبّة الله وعلاقتنا بالمسيح الحيّ لا تحرماننا من الحلم؛ ولا تتطلّبان منّا تضييق آفاقنا. بل على العكس، فإن هذه المحبّة تشجّعنا وتحفّزنا وتدفعنا نحو حياة أفضل وأكثر جمالًا. ويمكن تلخيص جزء كبير من التطلّعات التي تسكن قلوب الشبيبة بكلمة “قلق”. كما قال القدّيس بولس السادس، “في القلق الذي يعذّبكم بالذات… هناك شعاع من نور”[73]. إن القلق غير المُشبع، والذي يقترن بالدهشة إزاء الجديد الذي يظهر في الأفق، يفتح الطريق للجرأة التي تقودهم إلى تحمّل مسؤوليّة أنفسهم ولأن يصبحوا مسؤولين عن رسالة ما. هذا القلق السليم النموذجي الذي ينشأ خاصّة عند الشبيبة، هو ميزة كلّ قلب يبقى شابًّا ومنفتحًا وسخيًّا. والسلام الداخلي الحقيقي يتعايش مع هذا القلق العميق. كما قال القدّيس أوغسطينوس: “لقد خلقتنا لك يا ربّ، وقلبنا لن يهدأ حتى يجد راحته فيك”[74].

139.     سألني أحد الأصدقاء، منذ فترة، عما أفكّر حين أرى شابًّا. كانت إجابتي أني “أرى شابّة أو شابًّا يبحث عن طريقه، يريد أن يطير على قدميه، ويواجه العالم وينظر إلى الأفق بعيون مليئة بالرجاء، مليئة بالمستقبل وأيضًا بالأوهام. فالشابّ يسير على قدمين مثل البالغين، ولكن على عكس البالغين الذين يُبقون أقدامهم متوازية، هو يضع قدمًا أمام الآخر، جاهزا للانطلاق، للذهاب. يتطلّع دومًا للأمام. فالتكلّم عن الشبيبة يعني التكلّم عن الوعود، وعن الفرح. لدى الشبيبة الكثير من القوّة، وهم قادرون على التطلّع إلى الأمام برجاء. الشابّ هو وعد بالحياة يتضمّن درجة معيّنة من المثابرة. لديه ما يكفي من الجنون ليخدع نفسه، ولديه القدرة الكافية لمعالجة خيبة الأمل التي قد تنجم عن ذلك”[75].

140.     قد يكره بعض الشبيبة هذه المرحلة من الحياة، لأنهم يريدون الاستمرار في الطفولة أو يرغبون في “إطالة سنّ المراهقة إلى أجل غير مسمّى وتأجيل اتّخاذ القرارات. فالخوف من النهائي يولّد بالتالي نوعًا من الشلل في عملية صنع القرار. ومع ذلك، لا يمكن أن يبقى الشباب زمنًا معلّقا: إنه عمر الخيارات وفي هذا بالذات تَكمُن جاذبيّته ومسؤوليّته الكبرى. يتّخذ الشبيبة قرارات في المجالات المهنيّة والاجتماعية والسياسية، وغيرها من الأمور الأكثر جذرية والتي من شأنها إعطاء شكلًا محدّدًا لحياتهم”[76]. كما يتّخذون القرارات بشأن الحبّ واختيار شريك الحياة وإنجاب الأبناء. سوف ننظر في هذه القضايا عن كثب في الفصول النهائية، مع الإشارة إلى دعوة كلّ واحد وإلى تمييزها.

141.     لكن على عكس هذه الأحلام التي تولّد القرارات، “هناك دوما خطر التذمر أو الاستسلام. لنترك ذلك لأولئك الذين يعبدون “إلهة الندب” [...] إنها إلهة زائفة: تجعلك تأخذ المسار الخطأ. فعندما يبدو كلّ شيء وكأنه مشلول وراكد، وعندما تقلقنا مشكلاتنا الشخصية، ولا تجد المشكلات الاجتماعية الإجابات الصحيحة، لا فائدة من الاستسلام. الطريق هو يسوع: نصعده “قاربنا” ونذهب في عرض البحر معه! إنه الربّ! وهو يغيّر منظور الحياة. الإيمان بيسوع يقود إلى مزيد من الرجاء، وإلى يقين يقوم ليس على صفاتنا ومهاراتنا وحسب، إنما على كلمة الله، وعلى الدعوة التي تأتي منه. دون إجراء الكثير من الحسابات البشرية، ودون القلق بشأن التحقّق مما إذا كان الواقع المحيط بكم يتوافق مع ضماناتكم. اذهبوا في العرض، واخرجوا من ذواتكم”[77].

142.     يجب المثابرة في اتباع الأحلام. ولذا يجب الحذر من تجربةٍ غالبًا ما تخدعنا: الهمّ. فقد يكون عدوًّا كبيرًا لنا عندما يقودنا إلى الاستسلام حين نرى أن النتائج ليست فورية. لا تتحقّق أحلامنا الأجمل إلّا بالرجاء والصبر والالتزام، وليس عبر الاندفاع. ولا ينبغي لنا، في الوقت عينه، أن نكون متردّدين، ولا يجب أن نخاف من المخاطرة أو من ارتكاب الأخطاء. لكن علينا أن نخاف من العيش مشلولين، مثل الموتى الأحياء، مثل كائنات لا تعيش لأنها تخشى المجازفة، ولأنها لا تثابر في التزاماتها أو لأنها تخاف من ارتكاب الأخطاء. حتى وإن أخطأت، يمكنك دائمًا أن ترفع رأسك وأن تبدأ من جديد، لأنه لا يحقّ لأحد أن يسلبك الرجاء.

143.     أيها الشبيبة، لا تتخلّوا عن أفضل ما في شبابكم، ولا تراقبوا الحياة من الشرفة. لا تخلطوا بين السعادة وبين “الكنبة” ولا تعيشوا حياتكم بأكملها وأنتم أمام الشاشة. ولا تتحوّلوا إلى مشهد مؤسف يشبه السيارة المهجورة! لا تكونوا سيّارات متوقّفة، دعوا الأحلام تنبت واتّخذوا القرارات. خاطِروا، حتى لو كان ذلك يعني ارتكاب الأخطاء. لا تعيشوا وروحكم مخدّرة أو تنظروا إلى العالم وكأنكم سوّاح. ليشعر العالم بوجودكم! اكشفوا عن المخاوف التي تشلّكم، حتى لا تصبحوا شبيبة محنَّطين. عيشوا! أعطوا أنفسكم إلى أفضل ما في الحياة! افتحوا باب القفص، واخرجوا وطيروا! من فضلكم، لا تتقاعدوا مبكرًا.

الرغبة بالعيش وبالاختبار

144.     هذا التصوّر المستقبلي الذي نحلم به، لا يعني أن الشبيبة هم مندفعون تمامًا إلى الأمام، لأن لديهم في الوقت نفسه، رغبة قويّة في عيش الحاضر، وفي الاستفادة إلى أقصى حدّ من الإمكانيات التي تقدّمها لهم هذه الحياة. إن هذا العالم مليء بالجمال! فكيف نحتقر هبات الله؟

145.     إن الربّ، على عكس ما يظنّ كثير من الناس، لا يريد إضعاف الرغبة في العيش هذه. من المفيد التذكير بما علّم به أحد حكماء العهد القديم: “يا بُنيَّ، بِحَسَبِ ما تَملِكُ أَنفِقْ على نَفْسِكَ [...]؛ لا تَحرِمْ نَفسَكَ مِن يَومٍ صالِح ولا يَفُتْكَ نَصيبُكَ مِن رَغبَةٍ صالِحة” (سي 14، 11. 14). الإله الحقّ، الذي يحبّك، يريدك سعيدًا. لهذا السبب، نجد في الكتاب المقدّس أيضًا هذه النصيحة الموجّهة للشبيبة: “اْفرَحْ أَيّها الشَّابُّ في صِباك ولْيُسعِدْكَ قَلبُكَ في أيَّام شَبابِكَ [...] أَقصِ الغَمَّ عن قَلبِكَ” (جا 11، 9- 10). لأن الله هو “الَّذي يَجودُ علَينا بِكُلِّ شَيءٍ لِنَتَمَتَّعَ بِه” (١ طيم ٦، ١٧).

146.     كيف يمكن أن يمتنّ لله شخصٌ غير قادر على الاستمتاع بهباته اليوميّة الصغيرة، شخصٌ لا يعرف كيف يتوقّف عند الأشياء البسيطة والممتعة التي يجدها في كلّ خطوة؟ “لا أَسوأَ مِمَن يَحسُدُ نَفْسَه” (سي 14، 6). لا يعني أن نكون نهمين وأن نسعى وراء المزيد من الملذّات. على العكس، لأن من شأنها أن تمنعك من أن تعيش الحاضر. المسألة هي أن تعرف كيف تفتح عينيك، وكيف تتوقّف قليلًا كي تحيا، بشكل كامل وبامتنان، كلّ العطايا الصغيرة في الحياة.

147.     من الواضح أن كلمة الله تطلب منك أن تعيش الحاضر، وليس فقط أن تعدّ للمستقبل: “لا يُهِمَّكُم أمرُ الغَد، فالغَدُ يَهتَمُّ بِنَفْسِه. ولِكُلِّ يَومٍ مِنَ العَناءِ ما يَكْفِيه”(متى 6، 34). ولكن هذا لا يعني أن نقع في الفجور غير المسؤول الذي يجعلنا فارغين، لا نشبع أبدًا، بل أن نعيش الحاضر بالتمام، فنستخدم طاقاتنا من أجل الأمور الصالحة، ونزرع الأخوّة، ونحن نتّبع يسوع، ونعيش كلّ الأفراح الصغيرة في الحياة كهدية من محبّة الله.

148.     وفي هذا الصدد، رفض الكاردينال فرانسوا كزافييه نغوين فان ثوان، عندما سُجن في معسكر اعتقال، أن تكون أيّامه انتظارًا مريرًا للمستقبل وحسب. بل اختار “أن يعيش اللحظة الحاليّة، وأن يملأها بالحبّ”. والطريقة التي عاشها بها كانت: “سأغتنم الفرص التي تأتيني كلّ يوم، وأقوم بأعمال عاديّة بطريقة غير عادية”[78]. وأنت، بينما تعمل بجهد على تحقيق أحلامك، عِش يومك بالملء، أعطه بالكامل، واملأ كلّ لحظة بالحبّ. فصحيح أن هذا اليوم من شبابك قد يكون آخر يوم لك، لذا فالأمر يستحقّ أن تعيشه بكلّ قوّتك وبكلّ العمق الممكن.

149.     وهذا يشمل أيضًا الأوقات الصعبة، التي يجب عيشها بعمق إذا ما أردنا أن نتعلّم الرسالة التي تحملها. على حدّ تعبير الأساقفة السويسريين: “إن الله موجود حيث ظننا أنه قد تركنا، وأنه لم يعد هناك من رجاء بالخلاص. إنها مفارقة، لكن المعاناة والظلام، بالنسبة للعديد من المسيحيين [...] أصبحا مكان لقاء مع الله”[79]. وكذلك، فإن الرغبة في الحياة وفي عيش اختبارات جديدة تهمّ بشكل خاص العديد من الشبيبة ذوي الإعاقات الجسدية والعقلية والحسّية. وحتى لو لم يكن باستطاعتهم دائمًا أن يعيشوا نفس اختبارات أقرانهم، فإن لديهم موارد مذهلة لا يمكن تصورها وتتجاوز أحيانًا الموارد السائدة. يغمرهم الربّ يسوع بمواهب أخرى، والمجتمع مدعوّ إلى تقديرها، حتى يتمكنوا من اكتشاف تدبير محبّته لكلّ منهم.

في صداقة مع المسيح

150.     بغضّ النظر عن مدى عيشك تجربة الشباب، فلن تصل إلى عمقها، ولن تعرف ملء هذه التجربة الحقيقيّ، ما لم تصادف كلّ يوم أعظمَ صديق لك، ما لم تعش في صداقة مع يسوع.

151.     الصداقة هي إحدى عطايا الحياة وهبة من الله. فالله ينقّينا ويقودنا إلى النضج من خلال أصدقائنا. والأصدقاء المخلصون، الذين يقفون إلى جانبنا في أوقات الشدّة، هم أيضًا انعكاس لمودّة الربّ، وعزائه، وحضوره اللطيف. تعلّمنا تجربة الصداقة أن نكون منفتحين، ومتفهّمين، وأن نعتني بالآخرين، ونخرج من عزلتنا المريحة ونشارك حياتنا مع الآخرين. لهذا السبب، “الصَّديقُ الأَمينُ … قيمَتُه لا يُقَدَّرُ لَها ثَمَن” (سي 6، 15).

152.     الصداقة ليست علاقة عابرة أو مؤقّتة، إنما مستقرّة، وطيدة، أمينة، وتنضج مع مرور الوقت. إنها علاقة مودّة تجعلنا نشعر بالوحدة، وهي محبّة سخيّة تجعلنا نبحث عن خير الصديق. قد يكون الأصدقاء مختلفين تمامًا عن بعضهم البعض، لكن لديهم دائمًا أشياء مشتركة تقرّبهم، وهناك ألفة يتبادلونها بصدق وثقة.

153.     إن الصداقة مهمّة للغاية، لدرجة أن يسوع يعرّف عن نفسه على أنه صديق: “لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم … فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي” (يو 15، 15). رفعنا بفضل نعمته، بطريقة تجعلنا أصدقاء له حقًّا. وبنفس الحبّ الذي أحبّنا به المسيح، يمكننا أن نحبّه، فننقل حبّه للآخرين، على أمل أن يجدوا مكانهم في مجتمع الصداقة الذي أسّسه يسوع المسيح[80]. وحتى في الوقت الذي يتمتع فيه بالنعمة الكاملة لحياة القيامة، يمكننا، من جانبنا، أن نكون أسخياء تجاهه، ونساعده في بناء ملكوته في هذا العالم، ونكون أدوات بين يديه كي ننقل للآخرين رسالته ونوره وبالأخصّ حبّه (را. يو 15، 16). سمع التلاميذ يسوع يدعوهم ليكونوا أصدقاءه. كانت دعوة، ولم تُفرَض عليهم، إنما ناشدت بلطف حرّيتهم: “هَلُمَّا فَانظُرا” قال لهما يسوع فـ “ذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم” (يو 1، 39). بعد هذا اللقاء، الشخصيّ وغير المتوقّع، تركا كلّ شيء وتبعاه.

154.     لا يمكن قطع الصداقة مع يسوع. فهو لا يتركنا أبدًا، رغم أنه يبدو أحيانًا صامتًا. وعندما نحتاج إليه، نلقاه من جديد (را. إر 29، 14)؛ وبقي إلى جانبنا أينما ذهبنا (را. يش 1، 9). لأنه لم يخن عهده أبدًا. ويطلب ببساطة ألّا نتخلّى عنه: “اُثبُتوا فيَّ” (يو 15، 4). لكن حتى لو ابتعدنا عنه، فيظلّ “هو أَمينًا لأَنَّه لا يُمكِنُ أَن يُنكِرَ نَفْسَه” (2 طيم 2، 13).

155.     نحن نتحدّث مع أصدقائنا، ونتبادل معهم أعمق أسرارنا. يسوع أيضًا، يمكننا دائمًا محادثته. فالصلاة هي تحدّ ومغامرة. ويا لها من مغامرة! تجعلنا نعرف يسوع أكثر فأكثر وتزيد اتّحادنا به؛ وتسمح لنا بمشاركته بكل ما يحدث وأن نستريح بثقة في أحضانه، وتمنحنا في الوقت نفسه، لحظات ثمينة من الألفة والودّ، حيث يسكب فينا يسوع حياته الخاصة. وحين نصلّي، “نضع كلّ أعمالنا” أمامه، ونمنحه المجال “حتى يتصرّف ويدخل وينتصر”[81].

156.     ونتوصّل بهذه الطريقة، إلى اتّحاد ثابت فيه، يتخطّى أيّ شيء يمكن أن نختبره مع شخص آخر: “ما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ” (غل 2، 20). لا تحرم شبابك من هذه الصداقة. فسوف تشعر بحضوره إلى جانبك ليس فقط عندما تصلّي. وسوف ترى أنه يسير إلى جانبك في كلّ حين. حاوِل أن تبحث عنه، وستعيش اختبار رفقته الدائمة الرائع. هذا ما عاشه تلميذيّ عمّاوس فيما كانا يسيران ويتحادثان مرتبكين، عندما دنا يسوع منهما “وأَخذَ يَسيرُ معَهما” (لو 24، 15). قد قال أحد القدّيسين أن المسيحيّة “ليست مجموعة من الحقائق التي يجب الإيمان بها، أو قواعد يجب اتّباعها، أو محظورات. تبدو هكذا مثيرة للاشمئزاز. بل المسيحيّة هي الشخص الذي أحبّني كثيرًا لدرجة أنه يطالب بحبّي. المسيحيّة هي المسيح”[82].

157.     باستطاعة يسوع أن يوحّد جميع شبيبة الكنيسة في حلم واحد، “حلم عظيم، وحلم قادر على إشراك الجميع. الحلم الذي من أجله بذل يسوع حياته على الصليب، وحلّ الروح القدس، وطبع بالنار يوم العنصرة في قلب كلّ رجل وكلّ امرأة، في قلب كلّ شخص، [...] لقد طبعه على رجاء أن يجد مجالًا لينمو ويتطوّر. حلم، حلم يُدعى يسوع، زرعه الآب، إله مثله، مثل الآب، مرسل من الآب مع اليقين أنه سوف ينمو ويحيا في كلّ قلب. حلم ملموس، هو شخص، يسير في عروقنا، ويبهج القلب ويجعله يتهلّل”[83].

النمو والنضج

158.     يهتمّ الكثير من الشبيبة بشأن أجسادهم، محاولين تنمية قوّتهم البدنيّة أو مظهرهم. ويجتهد آخرون بتنمية مهاراتهم ومعرفتهم، ويشعرون بهذه الطريقة بثقة أكبر. ويتطلّع بعضهم إلى ما هو أسمى، ويسعون إلى بذل المزيد من الجهد لتحقيق تنمية روحيّة. قال القدّيس يوحنا: “كَتَبتُ إِلَيكم أَيُّها الشُّبَّان: إِنَّكم أَقوِياء وكَلِمَةُ اللهِ مُقيمَةٌ فيكُم فقَد غَلَبتُمُ الشِّرِّير” (1 يو 2، 14). إن البحث عن الربّ، وحفظ كلمته، ومحاولة الإجابة عليها من خلال الحياة، والنموّ في الفضائل، يجعل قلوب الشبيبة قويّة. لذا، فمن الضروريّ أن تحافظ على “اتّصالك” بيسوع، وأن تبقى معه “على الخط”، لأنك لن تنمو في السعادة وفي القداسة بقوّتك وعقلك فقط. وكما تقلق تمامًا بشأن عدم فقدان اتّصالك بالإنترنت، تأكّد من أن اتّصالك بالربّ هو فعّال، وهذا يعني عدم مقاطعة الحوار، والاصغاء إليه، وإخباره بكلّ أمورك، وعندما لا تكون لديك فكرة واضحة عمّا يجب عليك فعله، اسأله: “يسوع، ماذا كنت لتفعل مكاني؟”[84].

159.     أرجو أن تقدّر نفسك للغاية، وأن تأخذ نفسك على محمل الجدّ، وتبحث عن نموّك الروحي. بالإضافة إلى الحماس الذي يميّز الشبيبة، هناك أيضًا جمال طَلَبِ “البِرّ والإِيمان والمَحبَّة والسَّلام” (2 طيم 2، 22). هذا لا يعني فقدان العفويّة، والنضارة، والحماس، والحنان. لأن دخولك في سنّ البلوغ لا يعني التخلّي عن أفضل قيم هذه المرحلة من الحياة. وإلّا فقد يوبّخك الربّ يومًا: “تَذَكَّرتُ لَكِ مَوَدَّةَ صباكَ مَحَبَّةَ خِطبَتِك لَمَّا كُنتَ تَسيرُ وَرائي في البَرِّيَّة” (إر 2، 2).

160.     من ناحية أخرى، يجب أن ينضج البالغون أيضًا دون أن يفقدوا قيم الشباب. لأن كلّ مرحلة من مراحل الحياة في الواقع هي نعمة دائمة، وتحتوي على قيمة يجب ألّا تعبر. والشباب المُعاش بشكل جيّد يبقى كتجربة داخليّة، ويتمّ استيعابه في حياة البالغين وتعميقه، ويستمرّ بإعطاء ثماره. إذا كان من الطبيعيّ أن يشعر الشباب بانجذاب نحو اللانهائي الذي ينفتح ويبدأ[85]، فالخطر في حياة البالغين، التي لها ضماناتها وراحتها، يكمن في إهمال هذا الأفق تدريجيًّا وفقدان تلك القيم التي تميّز سنوات الشباب. ما كان يجب أن يحدث إنما هو العكس: أن ننضج وننمو وننظم حياتنا دون أن نفقد هذه الجاذبية، وذلك الانفتاح الواسع، هذا الانبهار أمام واقعٍ هو في تخطٍّ دائم. يمكننا في كلّ لحظة من حياتنا أن نجدّد شبابَنا وننمّيه. عندما بدأت خدمة حبريّتي، وسّع الربّ آفاقي وجدّد شبابي. ويمكن أن يحدث الشيء نفسه لزواج عمره عدّة سنوات أو لراهب في ديره. هناك أشياء تحتاج إلى “الاستقرار” على مرّ السنين، ولكن هذا النضج يمكن أن يتعايش مع نار متجدّدة، ومع قلب دائم الشباب.

161.     النموّ يعني الحفاظ على أثمن الأشياء التي منحك إياها الشباب وتغذيتها، ولكنه يعني في الوقت عينه أن تكون منفتحًا على تنقية ما هو غير صالح وعلى نيل هبات جديدة من الله الذي يدعوك لتنمية ما هو مهمّ. قد تقودك عقدة الدونية في بعض الأحيان، إلى عدم الرغبة في رؤية عيوبك وضعفك، ويمكنك بهذه الطريقة أن تنغلق إزاء النمو والنضج. من الأفضل أن تقبل محبّة الله لك، فهو يحبّك كما أنت، ويقدّرك ويحترمك، ولكنه أيضًا يقدّم لك المزيد والمزيد: المزيد من الصداقة معه، المزيد من الاتّقاد في الصلاة، المزيد من التعطش لكلمته، المزيد من الرغبة بقبول المسيح في القربان المقدّس، المزيد من الرغبة في عيش إنجيله، المزيد من القوّة الداخلية، المزيد من السلام والفرح الروحي.

162.     لكنني أذكرك بأنك لن تصبح قدّيسًا ولن تحققّ ذاتك عن طريق نَسخِ الآخرين. حتى ان تقليد القدّيسين لا يعني نسخ كيفيّة حياتهم او طريقة عيشهم للقداسة: “هناك شهادات مفيدة تُحفِّزنا وتحثّنا، ولكن لا لأننا نسعى لتقليدها لأنَّ هذا الأمر قد يبعدنا عن المسيرة الفريدة والمميّزة التي يحفظها الربّ لنا”[86]. عليك أن تعرف من أنت، وأن تطوّر طريقتك الشخصيّة في أن تكون قدّيسًا، بغضّ النظر عمّا يقوله الآخرون أو يفكّرونه. أن تصبح قدّيسًا يعني أن تصبح نفسك بالتمام، أن تصبح ما أراد الله أن يحلمه ويخلقه، وليس نسخة من شخص آخر. يجب أن تكون حياتك حافزًا نبويًا، يلهم الآخرين، يترك بصمة في هذا العالم، تلك البصمة الفريدة التي وحدك يمكنك أن تتركها. ولكن، إذا نسخت الآخرين، فسوف تحرم هذه الأرض، وحتى السماء، ممّا لا يمكن لأحد غيرك أن يقدّمه. أذكر أن القدّيس يوحنا الصليب، في كتابه “نشيد روحي”، كتب أنه على الجميع الاستفادة من نصيحته الروحية، كلّ “بطريقته الخاصة”[87] ، لأن الله نفسه أراد أن يُظهر نعمته “للبعض بطريقة ما، وللآخرين بطريقة أخرى”[88].

مسارات الأخوة

163.     إن نموّك الروحيّ يظهر قبل كلّ شيء في المحبّة الأخويّة، والسخيّة، والرحيمة. اعتاد القدّيس بولس أن يقول: “عَسى أَن يَزيدَ الرَّبُّ ويُنمِيَ مَحَبَّةَ بَعضِكم لِبَعْضٍ ولِجَميعِ النَّاسِ على مِثالِ مَحَبَّتِنا لَكم” (1 تس 3، 12). عساك أن تعيش أكثر فأكثر “النشوة” التي هي خروج من ذاتك للبحث عن خير الآخرين، إلى حدّ بذل حياتك.

164.     عندما تُسمّى المواجهة مع الله “نشوة”، فهذا لأنّه يخرجنا من ذواتنا ويرفعنا، مأخوذين بحبّ الله وجماله، لكن يمكننا أن نخرج من ذواتنا أيضًا للاعتراف بالجمال الخفيّ الموجود في كلّ كائن بشريّ، وبكرامته، وبعظمته كصورة لله وابن للآب. يريد الروح القدس أن يدفعنا إلى الخروج من ذواتنا، وإلى احتضان الآخرين بالمحبّة والسعي لما فيه خيرهم. ولذا فإنه من الأفضل دائمًا أن نعيش الإيمان معًا، ونعبِّر عن حبّنا في حياة جماعيّة، ونشارك الشبيبة الآخرين بحبّنا ووقتنا وإيماننا واهتماماتنا. وتقدّم الكنيسة العديد من المساحات المختلفة لعيش الإيمان جماعيًّا، لأن كلّ شيء يكون أسهل معًا.

165.     إن الجروح التي تلقّيتها تقودك إلى خطر العزلة، والانطواء على ذاتك، وتراكم الأحقاد، ولكن لا تتوقّف أبدًا عن قبول دعوة الله إلى المغفرة. كما علّم أساقفة رواندا جيدًا، “المصالحة مع الآخر تتطلّب أولاً اكتشاف روعة صورة الله فيه [....] وفي هذا المنظور، من الضروري التمييز بين الخاطئ وبين خطيئته وإساءته، حتى تتوصّل إلى مصالحة حقيقية. هذا يعني أن تكره الشرّ الذي ألحقه بك الآخر، ولكن أن تستمرّ بحبّه لأنك تدرك ضعفه وترى صورة الله فيه”[89].

166.     قد تتلاشى في بعض الأحيان كلّ طاقات فترة الشباب وأحلامها وحماسها بسبب الميل إلى الانغلاق على أنفسنا، في مشاكلنا، وفي مشاعر الأذى، والتذمّر والراحة. لا تسمح بأن يحدث هذا لك، لأنك سوف تشيخ في داخلك مبكرًا. كلّ عمر له جماله، ولا يمكن أن يفوت الشباب اليوتوبيا الجماعية، والقدرة على الحلم معًا، والآفاق العظيمة التي ننظر إليها معًا.

167.     يحبّ الله فرح الشبيبة ويدعوهم قبل كلّ شيء إلى ذلك الفرح الذي يُعاش في شركة الأخوّة، إلى الفرح الأسمى الذي يسكن أولئك الذين يعرفون المشاركة، لأن “السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأَخْذ” (رسل 20، 35) و “اللهَ يُحِبُّ مَن أَعْطى مُتَهَلِّلاً” (2 قور 9، 7). إن الحبّ الأخويّ يضاعف قدرتنا على الابتهاج، لأنه يمكّننا من الابتهاج لخير الآخرين: “افرَحوا مع الفَرِحين” (روم 12، 15). عسى أن تتحوّل عفويّة شبابك واندفاعه أكثر فأكثر إلى عفويّة المحبّة الأخوية، وإلى النضارة التي تجعلنا نتفاعل دائمًا بالتسامح والسخاء والرغبة في عيش الجماعة. يقول المثل الإفريقي: “إذا كنت تريد أن تسرع، امشِ وحدك. إذا كنت تريد أن تذهب بعيدًا، امشِ مع الآخرين”. لا نسمحنّ بأن تُسلب منّا الأخوّة.

شبيبة ملتزمون

168.     صحيح أنه في بعض الأحيان، إزاء عالم مليء بالعنف والأنانيّة، قد يميل الشبيبة إلى الانغلاق في جماعات صغيرة، وأن يحرموا أنفسهم بالتالي من تحدّيات الحياة في المجتمع، ومن عالم واسع، مُحفِّز، ومحتاج. يشعرون أنهم يعيشون المحبّة الأخويّة، ولكن ربمّا قد أصبحت جماعتهم مجرّد امتداد لذواتهم. ويتفاقم هذا الأمر إذا تمّ اعتبار دعوة العلمانيين كمجرّد خدمة داخل الكنيسة (القرّاء، خدمة المذبح، معلّمو الدين المسيحي، …)، متناسين أن دعوة العلمانيين هي أوّلا وقبل كلّ شيء المحبة في الأسرة، والأعمال الاجتماعية والسياسية التي تحفّزها المحبّة: فهي التزام ملموس انطلاقًا من الإيمان لبناء مجتمع جديد، إنها العيش وسط العالم والمجتمع من أجل تبشير مختلف أوضاعه، من أجل تنمية السلام، والتعايش، والعدالة، وحقوق الإنسان، والرحمة، وبالتالي نشر ملكوت الله في العالم.

169.     أقترح على الشبيبة أن يتخطّوا مجموعات الأصدقاء كي يبنوا “الصداقة الاجتماعية، ويسعوا لتحقيق الصالح العام. لأن العداء الاجتماعي يدمّر. والأسرة تتحطّم بفعل العداوة. والبلد يتدمّر بفعل العداوة. والعالم يتدمّر بفعل العداوة. والعداوة الأكبر هي الحرب. ونرى في هذه الأيام كيف أن العالم يتدمّر بفعل الحرب. لأنهم غير قادرين على الجلوس والتحدّث. [...] كونوا قادرين على خلق الصداقة الاجتماعية”[90]. الأمر ليس سهلًا، علينا دوما أن نتخلّى عن شيء ما، ويجب أن نتفاوض، ولكن إذا فعلنا ذلك ونحن نفكّر في خير الجميع، فسوف نحقّق تجربة رائعة، تجربة تنحية الخلافات جانبًا من أجل تحقيق هدف مشترك. وإذا تمكّنا من العثور على نقاط تلاقٍ في خضّم العديد من الاختلافات، في هذا الجهد الحرفي والمتعب أحيانًا لبناء الجسور، لبناء سلام مفيد للجميع، تكون هذه معجزة ثقافة اللقاء التي يملك الشبيبة الشجاعة الكافية لعيشها بشغف.

170.     اعترف السينودس أن “الالتزام الاجتماعي، حتى لو كان في شكل مختلف عن الأجيال الماضية، هو سمة تميّز شبيبة اليوم. وهناك العديد من الأشخاص، إلى جانب بعض اللامبالين، الذين يرغبون في المشاركة بالمبادرات التطوعيّة والمواطنة الناشطة، والتضامن الاجتماعي، الذين يجب مرافقتهم وتشجيعهم على إبراز مواهب الشبيبة ومهاراتهم وإبداعهم، وتشجيعهم على تحمّل المسؤولية من جهتهم. ولا يزال الالتزام الاجتماعي والاتّصال المباشر بالفقراء فرصة أساسية لاكتشاف الإيمان أو تعميقه، ولتمييز الدعوة الشخصيّة. [...] كما تمّ الإشارة إلى الرغبة في الانخراط في المجال السياسي لبناء الصالح العام”[91].

171.     وقد اعتادت اليوم، بنعمة الله، مجموعات من شبيبة الرعايا أو المدارس أو الحركات، أو الجامعات، على الذهاب لإمضاء بعض الوقت مع المسنين والمرضى، أو لزيارة الأحياء الفقيرة، أو على الذهاب معاً لمساعدة الفقراء في ما يسمّى “الليالي الخيريّة”. وغالبًا ما يدركون أن ما يتلقّونه في هذه الأنشطة هو أكثر ممّا يعطونه، لأن المرء يتعلّم وينضج كثيرًا عندما يتحلّى بالشجاعة للمس معاناة الآخرين. علاوة على ذلك، هناك حكمة خفيّة لدى الفقراء، ويمكنهم بكلمات بسيطة أن يساعدونا في اكتشاف القيم التي لا نراها.

172.     يشارك شبيبة آخرون في برامج اجتماعية تهدف إلى بناء منازل للمشرّدين، أو لاستصلاح المناطق الملوثة، أو لجمع المساعدات للمحتاجين. قد يكون من الجيّد أن تُستخدم هذه الطاقة المجتمعية ليس فقط في الأعمال المتفرّقة ولكن بطريقة ثابتة، مع أهداف واضحة وتنظيم جّيد يساعد على تحقيق نشاط أكثر استمرارية وفعاليّة. يمكن لطلاب الجامعة أن يتّحدوا معًا وفق تخصّصاتهم كي يطبّقوا معارفهم على حلّ المشكلات الاجتماعية، ويمكنهم في هذه المهمّة أن يعملوا جنبًا إلى جنب مع شبيبة من كنائس أخرى أو من أديان أخرى.

173.     كما حدث في معجزة يسوع، يمكن لأرغفة الشبيبة وأسماكهم أن تتكاثر (را. يو 6، 4- 13). وكما حدث في المثل، تصبح بذور الشبيبة الصغيرة أشجارًا وفواكهًا تُجنى (را. متى 13، 23. 31- 32). وكلّ هذا يبدأ من ينبوع سرّ الافخارستيا الحيّ، حيث يتجلّى خبزنا ونبيذنا كي يعطيانا حياة أبديّة. لقد عُهِدَ إلى الشبيبة بمهمّة عظيمة وصعبة. ويمكنهم مواجهتها بإبداع ورجاء عبر إيمانهم بالقائم من الموت، واضعين أنفسهم دائمًا في موقع الخدمة، مثل خدم ذاك العرس، المتعاونين المذهولين في معجزة يسوع الأولى، الذين تبعوا فقط توجيهات والدته: “مَهما قالَ لَكم فافعَلوه” (يو 2، 5). الرحمة والإبداع والرجاء تجعل الحياة تنمو.

174.     أريد أن أشجّعك على تحمّل هذا الالتزام، لأنني أعلم أن “قلبك، قلب شابّ، يريد بناء عالم أفضل. إني أتابع أخبار العالم وأرى أن العديد من الشبيبة في أنحاء كثيرة من العالم قد خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن الرغبة في حضارة أكثر عدلًا وأخوّة. الشبيبة في الشوارع. إنهم شبيبة يريدون أن يصبحوا صانعي التغيير. من فضلكم لا تدعوا الآخرين يكونون صانعي التغيير! أنتم الذين تملكون المستقبل! من خلالكم يدخل المستقبل العالم. أطلب منكم أن تكونوا صانعي هذا التغيير. استمرّوا في التغلّب على اللامبالاة، من خلال تقديم إجابة مسيحيّة على الاهتمامات الاجتماعيّة والسياسيّة التي تظهر في مختلف أنحاء العالم. أطلب منكم أن تكونوا بناة العالم، وأن تعملوا من أجل عالم أفضل. أعزّائي الشبيبة، من فضلكم لا تنظروا إلى الحياة “من الشرفة”، ادخلوا فيها. فيسوع لم يبقَ على الشرفة، بل دخلها؛ لا تنظروا إلى الحياة “من الشرفة”، أدخلوها كما فعل يسوع”[92]. ولكن قبل كلّ شيء، اسعوا بشكل أو بآخر من أجل الصالح العام، وكونوا خدام الفقراء، كونوا صانعي ثورة المحبّة والخدمة، قادرين على مقاومة أمراض النزعة الاستهلاكية والفردية السطحية.

مرسلون شجعان

175.     إن الشبيبة، متيّمين بالمسيح، مدعوّون إلى الشهادة للإنجيل في حياتهم الشخصيّة. قال القدّيس ألبيرتو هورتادو: “أن تكون رسولًا لا يعني ارتداء شارة على عروة السترة؛ لا يعني التحدّث عن الحقيقة، بل عيشها وتجسيدها وتجسيد المسيح. أن تكون رسولًا لا يعني حمل شعلة في يدك، أو امتلاك النور، إنما أن تكون النور [...]. والإنجيل هو أكثر من مثال، هو درس. هو رسالة تحوّلت إلى واقع حقيقي”[93].

176.     إن قيمة الشهادة لا تعني أنه يجب إسكات الكلمة. لماذا لا نتحدّث عن يسوع، ولماذا لا نخبر الآخرين أنه يعطينا القوّة للعيش، وأن التحدّث معه هو جميل للغاية، وأنه مفيد لنا أن نتأمّل في كلماته؟ أيها الشبيبة، لا تسمحوا للعالم بان يجرّكم للمشاركة بالأشياء السلبية أو السطحيّة وحسب. كونوا قادرين على السير ضدّ التيار واعرفوا كيف تشاركون الآخرين بيسوع، وتوصّلون الإيمان الذي أعطاه لكم. أتمنّى لكم بأن تشعروا في قلبكم بنفس الاندفاع الذي لا يقاوم الذي حرّك القدّيس بولس عندما قال: “الوَيلُ لي إِن لم أبَشِّر” (1 قور 9، 16).

177.     «أين أرسلنا يسوع؟ لا توجد حدود، لا توجد حدود: إنه يرسلنا جميعًا. الإنجيل هو للجميع وليس للبعض. ليس فقط لأولئك الذين يبدون لنا أقرب، وأكثر تقبّلا وأكثر ترحيبًا. إنه للجميع. لا تخافوا من الذهاب ومن حمل المسيح في كلّ بيئة، وصولًا إلى الضواحي الحياتية، حتى لأولئك الذين يبدون الأبعد، وغير مبالين. الربّ يبحث عن الجميع، ويريد أن يشعر الجميع بدفء رحمته ومحبّته”[94]. إنه يدعونا إلى الانطلاق دون خوف حاملين البشارة الإرسالية، أينما وجدنا ومع من كنّا، في الحيّ، في الدراسة، في الرياضة، عندما نخرج مع الأصدقاء، في عمل تطوّعي أو في العمل، من الجيّد دائمًا أن نشارك بفرح الانجيل. فهذه هي الطريقة التي يقترّب الربّ بها من الجميع. إنه يريدكم، أيها الشبيبة، كأدوات له كي تشعّوا النور والرجاء، لأنه يريد الاعتماد على شجاعتكم ونضوركم وحماسكم.

178.     لا يمكننا التوقّع بأن تكون المهمّة سهلة ومريحة. فقد ضحّى بعض الشبيبة بحياتهم حتى لا يبطئوا الاندفاع التبشيري. وقال أساقفة كوريا: “نرجو أن نكون حبوبَ حنطة وأدواتٍ من أجل خلاص البشرية، متّبعين مثال الشهداء. حتى لو كان إيماننا صغيرًا مثل حبّة الخردل، فإن الله سيجعله ينمو ويستخدمه كأداة لعمله الخلاصي”[95]. أيها الأصدقاء، لا تنتظروا غدًا كي تتعاونوا في تغيير العالم عبر طاقتكم وجرأتكم وإبداعكم. فحياتكم ليست “وقفة انتظار”. أنتم حاضر الله الذي يريدكم مثمرين[96]. لأننا “ننال عبر العطاء”[97]والطريقة الأفضل لإعداد مستقبل جيّد هي أن نعيش الحاضر بشكل جيّد مع تفانٍ وسخاء.

الفصل السادس

شبيبة لديهم جذور

179.     رأيت أحيانًا أشجارًا شابّة وجميلة، تصل فروعها إلى السماء وتبحث دائمًا عن المزيد، وتبدو وكأنّها أغنية رجاء. ورأيتها فيما بعد، بعد العاصفة، هاوية، هامدة. ولأن لديها جذور قليلة، نشرت فروعها دون أن تتجذّر في الأرض، وبالتالي استسلمت إلى كوارث الطبيعة. لذا يؤلمني أن أرى أن البعض يقترح على الشبيبة بناء مستقبل دون جذور، كما لو أن العالم بدأ الآن. لأنه “من المستحيل أن ينمو المرء إذا لم يكن لديه جذور قوّية تساعده على الوقوف بثبات وتعلّقه بالأرض. من السهل أن نضيع عندما لا نملك مكانًا نتمسّك به، نثبت فيه”[98].

لا تسمح بأن تُقتلع من الأرض

180.     هذه ليست مسألة ثانوية، ويبدو لي من الجيّد تخصيص فصل موجز لها. لأن إدراكها يتيح لنا التمييز بين فرح الشباب و”عبادة” الشباب الخاطئة التي يستخدمها البعض لإغواء الشبيبة واستخدامهم لتحقيق غاياتهم.

181.     تأمّلوا بهذه الفكرة: إذا قدّم شخص ما لهم اقتراحًا وطلب منهم تجاهل التاريخ، وعدم الاستفادة من خبرة المسنين، واحتقار كلّ الماضي، والنظر فقط نحو المستقبل الذي يقدّمه لهم، فليس هذا طريقة سهلة لحجزهم عبر اقتراحه حتى يفعلوا فقط ما يقوله لهم؟ هذا الشخص يريدهم فارغين مقتلعين من جذورهم، لا يثقون بأيّ شيء، كي يثقوا فقط بوعوده ويخضعوا لخططه. هكذا تعمل الأيديولوجيات المتعدّدة الألوان، التي تدمّر كلّ ما هو مختلف وبهذه الطريقة يمكنها أن تسود بدون معارضة. لهذا يحتاجون إلى شبيبة يحتقرون التاريخ، ويرفضون الغنى الروحي والبشري الذي نقلته الأجيال، ويتجاهلون كلّ ما سبقهم.

182.     يستخدم المتلاعبون في الوقت نفسه، موردًا آخر: “عبادة” الشباب، كما لو أن كلّ شيء غير شابّ يصبح مكروهًا وعفا عليه الزمن. يصبح الجسم الشابّ رمزًا لهذه “العبادة” الجديدة، وبالتالي فإن كلّ ما له علاقة بهذا الجسم يصبح آلهة زائفة والكلّ يبتغيها بلا حدود، وما هو غير شابّ ينظر إليه بازدراء. لكنه سلاح ينتهي بإهانة الشبيبة أوّلًا، فهو يفرّغهم من القيم الحقيقية، ويستخدمهم للحصول على مزايا شخصية أو اقتصادية أو سياسية.

183.     أيها الشبيبة الأعزاء، لا تسمحوا بان يستخدموا شبابكم لتعزيز حياة سطحية، تخلط بين الجمال والمظهر. بل اعرفوا كيف تكتشفون أن هناك جمالًا في العامل الذي يعود إلى المنزل قذرًا ودون ترتيب، ولكن بفرحٍ لأنه كسب الخبز لأبنائه؛ أن هناك جمالا غير عادي في شركة العائلة المجتمعة حول الطاولة وفي الخبز الذي يتقاسمونه بسخاء، حتى لو كان الطعام فقيرًا للغاية. هناك جمال في الزوجة المسنة التي تواصل الاهتمام بزوجها المريض أبعد مما تسمح لها قوتها أو صحتها؛ وعلى الرغم من أن شهر العسل قد صار بعيدا، إلّا أن هناك جمالا في إخلاص الأزواج الذين يحبّون بعضهم البعض في خريف الحياة، في هؤلاء المسنين الذين يمشون يدًا بيد. وهناك جمال يتجاوز المظهر أو جمال الموضة، في كلّ امرأة وكلّ رجل يعيشان دعوتهما الخاصة بمحبة، في خدمة الجماعة بعيدا عن أية مصلحة شخصية، أو خدمة البلد؛ في العمل السخي من أجل سعادة الأسرة، عاملين بجهد مجهول ومجاني لاستعادة الصداقة الاجتماعية. إن اكتشاف هذا الجمال وإظهاره وتسليط الضوء عليه، والذي يذكّرنا بجمال المسيح على الصليب، يعني إرساء أسس التضامن الاجتماعي الحقيقي وثقافة اللقاء.

184.     ويتمّ اليوم، تزامنًا مع استراتيجيات “العبادة الخاطئة” للشباب وللمظهر، الترويج لروحانية بدون الله، ومحبة بدون جماعة وبدون الالتزام بالذين يعانون، وخوف من الفقراء الذين يعتبرون وكأنهم أشخاص خطيرون، وسلسلة من العروض التي تحاول أن تجعلكم تؤمنون بمستقبل شبيه بالجنّة والذي يتأجّل إلى وقت لاحق على الدوام. لا أريد أن أقترح عليكم ذلك، وأود ّبكل محبّتي، أن أحذّركم من أن تهيمن عليكم هذه الأيديولوجية التي لن تعيد شبابكم، بل سوف تحوّلكم إلى عبيد. أقترح عليكم طريقًا أخرى، مصنوعة من الحرية، والحماس، والإبداع، والآفاق الجديدة، ولكن مع الحرص، في الوقت عينه، على الاعتناء بالجذور، التي تغذّي وتدعم.

185.     في هذا السياق، أودّ التأكيد على أن “العديد من آباء السينودس الآتين من السياقات غير الغربية يشيرون إلى أن العولمة في بلدانهم تنطوي على أشكال حقيقية من الاستعمار الثقافي، التي تقتلع الشبيبة من الانتماء إلى الحقائق الثقافية والدينية الخاصّة بهم. فمن الضروري أن تلتزم الكنيسة بمرافقتهم في هذه الخطوة دون أن يفقدوا أثمن سمات هويّتهم الخاصة”[99].

186.     نرى اليوم ميلًا إلى “تجانس” الشبيبة، وإلى إلغاء الاختلافات الخاصّة ببلد منشئهم، وإلى تحويلهم إلى كائنات قابلة للتلاعب، مصنوعة في سلسلة. وينتج عن هذا الأمر تدمير ثقافي، وهو أمر خطير للغاية، تعادل خطورته خطورة انقراض الأنواع الحيوانية والنباتية[100]. لذلك، وفي رسالة موجهة إلى شبيبة السكان الأصليين المجتمعين في بنما، حثثتهم على “تولّي مسؤولية الجذور، لأن القوّة التي ستجعلهم ينمون ويزدهرون ويثمرون إنما تأتي من الجذور”[101].

علاقتك بالمسنين

187.     لقد تمّ التأكيد في السينودس، أن “الشبيبة يتّجهون نحو المستقبل ويواجهون الحياة بقوّة وحيويّة. ولكنهم [...] في بعض الأحيان يميلون إلى إعطاء القليل من الاهتمام لذاكرة الماضي الذي يأتون منه، ولا سيّما الهبات العديدة التي نقلها إليهم آباؤهم وأجدادهم، وللخلفية الثقافية للمجتمع الذي يعيشون فيه. إن مساعدة الشبيبة على اكتشاف غنى الماضي الحيّ، الذي يذكرونه ويستخدمونه في قراراتهم وإمكانياتهم، هو فعل محبّة حقيقي تجاههم، من أجل نموّهم والقرارات التي يتعيّن عليهم اتّخاذها”[102].

188.     توصي كلمة الله بعدم الابتعاد عن المسنّين، من أجل جني خبراتهم: “قفْ في جَماعَةِ الشيوخ وإِن كان هُناكَ حَكيم فلازِمْه [...]وإِن رَأَيتَ عاقِلاً فاْبتَكِرْ إِلَيه ولتحُكَّ قَدَمك دَرَج بابِه” (يش 6، 34. 36). على أي حال، فإن السنوات الطويلة التي عاشوها، وكلّ ما حدث في حياتهم، يجب أن يدفعكم إلى النظر إليهم باحترام: “قمقُدَّامَ الأَشيَب” (أح 19، 32). لأن “فَخر الشبانِ قوُّتهم وبَهاء الشُّيوخِ المَشيب” (مثل 20، 29).

189.     يطلب منّا الكتاب المقدّس: “إِسمع لأًبيكَ الَّذي وَلَدَكَ ولا تستَهِنْ بِأُمِّكَ إِذا شاخَت” (مثل 23، 22). وصية تكريم الأب والأم “تِلكَ أُولى وَصِيَّةٍ يَرتَبِطُ بِها وَعْدٌ” (أف 6، 2، را. خر 20، 12، تث 5، 16؛ أح 19، 3)، والوعد هو: “لِتَنالَ السَّعادة ويَطولَ عُمرُكَ في الأَرْض” (أف 6، 3).

190.     هذا لا يعني أنه يجب أن توافق على كلّ ما يقولونه، أو أنه يجب الموافقة على جميع تصرّفاتهم. لكن يجب أن يكون لدى الشابّ دائمًا روح نقدية. لقد أوصى القدّيس باسيليوس الكبير الشبيبة، مشيرًا إلى الكتّاب اليونان القدماء، بأن يقدّروهم، وألّا يقبلوا من تعليمهم إلّا ما هو مفيد لهم[103]. يعني ببساطة أن تكونوا منفتحين على اكتساب حكمة تنتقل من جيل إلى جيل، وقد تتعايش مع بعض البؤس البشري، دون أن يكون لديها أي سبب لتختفي إزاء جديد الاستهلاك والسوق.

191.     إن القطيعة بين الأجيال لم تكن يومًا مفيدة ولن تفيد أبدًا. إنما هي بمثابة صفّارات إنذار لمستقبل دون جذور، وبدون تجذّر؛ بل كذبة تريدك أن تصدّق أن وحده الجديد هو جيّد وجميل. فوجود علاقات بين الأجيال يعني أن المجتمعات تمتلك ذاكرة جماعية، لأن كلّ جيل يسترجع تعاليم الأسلاف، ويترك بالتالي إرثًا لخلفائه. وهذا يشكّل أطرًا مرجعية تدعم بقوّة مجتمعًا جديدًا. كما يقول المثل: “إذا كان للشابّ المعرفة وللمسنّ القدرة، لا يكون هناك من أمر لا يمكن تحقيقه”.

أحلام ورؤى

192.     نجد في نبوة يوئيل، إعلانًا يسمح لنا بفهم ذلك بطريقة جميلة جدًا. يقول: “سَيَكونُ … أَنِّي أُفيضُ مِن روحي على كُلِّ بَشَر فيتَنَبَّأُ بَنوكم وبَناتُكم وَيَرى شُبَّانُكم رُؤًى ويَحلُمُ شُيوخُكم أَحْلامًا” (يؤ ٣، ١؛ را. رسل ٢، ١٧). إذا انفتح الصغار والكبار على الروح القدس، فسوف يشكل كلاهما مزيجًا رائعًا. الكبار يحلمون والشبيبة يرون رؤى. فبأي طريقة يتكامل الأمران معًا؟

193.     لدى المسنّين أحلام مبنيّة على الذكريات، مع صور لأشياء كثيرة عاشوها، تحمل علامة الخبرة والسنوات. إذا تجذّر الشبيبة في أحلام المسنّين يمكنهم رؤية المستقبل، يمكنهم رؤية رؤى تفتح لهم الأفق وتريهم طرقًا جديدة. لكن إذا لم يحلم المسنّون، فلن يتمكّن الشبيبة من رؤية الأفق بوضوح.

194.     من الجيّد أن نجد بين ما حفظه آباؤنا، بعض الذكريات التي تسمح لنا أن نتخيّل ما كان يحلم به لنا أجدادنا وجداتنا. لقد نال كلّ إنسان من أجداده، حتى قبل أن يولد، كهدية، بركة حلم مليء بالحبّ والرجاء: حلم حياة أفضل له. وإن لم يتلق هذا الحلم من أحد أجداده، فمن المؤكّد أن أحد أجداد آبائه كان يحلم به وكان سعيدًا له، متأمّلا بأبنائه في المهد ومن ثم بأحفاده. الحلم الأوّل، حلم الله أبينا الخلّاق، فهو يسبق ويرافق حياة جميع أبنائه. إن ذكرى هذه البركة، التي تمتدّ من جيل إلى جيل، هي ميراث ثمين يجب أن نعرف كيف نبقيه حيًّا كي نتمكّن من نقله نحن أيضًا.

195.     لذا فمن الجيّد أن ندع المسنّين يقدمون روايات طويلة، تبدو أحيانًا أسطورية، خيالية – إنها أحلام المسنين- لكنها غالبًا ما تكون مليئة بتجربة غنية، ورموز بليغة، ورسائل مخفية. تتطلّب هذه الروايات وقتًا، نعطيه مجّانا للإصغاء وللتفسير بصبر، لأنها لا تستطيع ولوج عالم الرسائل القصيرة لوسائل التواصل الاجتماعي. علينا أن نقبل أن كلّ الحكمة التي نحتاجها لحياتنا لا يمكن حصرها في الحدود التي تفرضها موارد الاتّصالات الحاليّة.

196.     لقد أعربت في كتاب “حكمة السنين”[104]، عن بعض التمنيات في شكل أسئلة. “ماذا أسأل المسنين، وأنا أعدّ نفسي من بينهم؟ أسأل أن نكون حرّاس الذاكرة. أيها الأجداد والجدات نحتاج لأن نشكّل جوقة. أتصوّر المسنين كجوقة دائمة لملاذ روحيّ مهم، حيث تدعمُ صلاةُ التشفّع وتراتيلُ الحمد المجتمعَ بأكمله الذي يعمل ويكافح في مجالات الحياة”[105]. من الجميل أن يسبّح “الشبانُ والعَذارى والشُّيوخُ والأَحْداث [...] اْسمَ الرَّبِّ” (مز 148، 12- 13).

197.     ماذا يمكن أن نعطيهم نحن المسنّين؟ “يمكننا أن نذكّر شبيبة اليوم الذين يعيشون مزيجهم الخاص من الطموحات البطولية ومن عدم الأمان، بأن حياة دون محبّة هي حياة غير مثمرة”[106]. ماذا يمكننا أن نقول لهم؟ “للشبيبة الخائفين، يمكننا القول أنه باستطاعتهم التغلّب على القلق بشأن المستقبل”[107]. ماذا يمكننا أن نعلّمهم؟ “للشبيبة الذين يهتمّون بأنفسهم بشكل مفرط، يمكننا أن نعلّمهم أنهم يشعرون بفرح في العطاء أكثر منه في التلقّي، وأن المحبّة لا تظهر فقط بالكلمات، إنما أيضًا بالأعمال”[108].

المجازفة معًا

198.     إن المحبّة التي تهب ذاتها وتعمل، غالبًا ما تخطئ. الشخص الذي يتصرّف، الشخص الذي يخاطر، ربما قد يخطئ. وفي هذا الصدد قد تكون شهادة ماريا غابرييلا بيرنمثيرة للاهتمام. هي يتيمة الأب منذ ولادتها، وتتأمّل في شهادتها كيف أن هذا قد أثّر على حياتها، في علاقة لم تدم طويلاً ولكن جعلت منها أمًا وجدة الآن: “ما أعرفه هو أن الله يخلق القصص. في عبقريته وفي رحمته، يأخذ نجاحاتنا وإخفاقاتنا وينسج نسيجًا جميلًا مليئًا بالسخرية. وقد يبدو الجانب العكسي للقماش فوضويًا مع خيوطه المتشابكة -أحداث حياتنا- وربما يكون هذا الجانب هو الذي يسلبنا سلامنا عندما يكون لدينا شكوك. ولكن الجانب الجيد للنسيج يظهر قصة رائعة، وهذا هو الجانب الذي يراه الله”[109]. عندما ينظر المسنون إلى الحياة عن قرب، غالبًا ما يجدون غريزيًا ما وراء الخيوط المتشابكة ويرون ما يصنعه الله بشكل خلاق حتى مع أخطائنا.

199.     إذا مشينا سويًا، شبيبة ومسنين، يمكننا أن نتجذّر جيّدًا في الحاضر، ومن هنا يمكننا العودة إلى الماضي والمستقبل: العودة إلى الماضي والتعلّم من التاريخ وتضميد الجراح التي تكيّفنا أحيانًا؛ والعودة إلى المستقبل، لتغذية الحماس، ولجعل الأحلام تنشأ، ولإثارة النبوات، ولإزهار الرجاء. وبهذه الطريقة، متّحدين، يمكننا أن نتعلّم من بعضنا البعض، وندفئ قلوبنا، ونلهم عقولنا بنور الإنجيل ونعطي قوّة جديدة لأيادينا.

200.     إن الجذور ليست مراسٍ تربطنا بأزمان مضت وتمنعنا من تجسيد أنفسنا في العالم الحالي كي نخلق شيئًا جديدًا. إنها، على العكس، نقطة تجذّر تجعلنا ننمو ونواجه التحدّيات الجديدة. ولا يفيد بالتالي “أن نجلس لنتذكّر الأوقات الماضية بحنين؛ يجب أن نهتمّ بثقافتنا بواقعية ومحبّة ونملأها بالإنجيل. إننا مرسلون اليوم لإعلان بشارة يسوع إلى الأزمنة الجديدة. علينا أن نحبّ زمننا بإمكانياته ومخاطره، بأفراحه وأحزانه، بغناه ومحدوديته، بنجاحاته وأخطائه”[110].

201.     قال أحد الشبيبة المستمعين في السينودس، آتيا من جزر ساموا، إن الكنيسة هي عبارة عن زورق يساعد فيه المسنّون على الحفاظ على الاتّجاه من خلال تفسير وضع النجوم، ويجدّف الشبيبة بقوّة وهم يتخيّلون ما ينتظرهم فيما بعد. لا نسمحنّ باستبعادنا، لا من قِبَلِ الشبيبة الذين يعتقدون أن البالغين هم ماضٍ لم يعد مهمًا، أو قد انتهت صلاحيته، ولا من قِبَلِ البالغين الذين يعتقدون أنهم يعرفون دائمًا كيف يجب أن يتصرّف الشبيبة. لنركب جميعًا الزورق نفسه، ولنبحث بيننا جميعًا عن عالم أفضل، في ظلّ دافع الروح القدس الدائم التجدّد.

الفصل السابع

رعوية الشبيبة

202.     لقد عانت رعوية الشبيبة، كما اعتدنا على القيام بها، من صدمة التغيرات الاجتماعية والثقافية. فغالبًا ما لا يجد الشبيبة، في الهيكليات المعتادة، جوابات على مخاوفهم واحتياجاتهم ومشاكلهم وجراحهم. ويمكن تفسير انتشار ونموّ جمعيّات وحركات تهيمن فيها الخصائص الشبابية، على أنه عمل الروح الذي يفتح مسارات جديدة. لكنه من الضروري، تعميق مشاركتها في الأعمال الرعوية الشاملة للكنيسة، والمزيد من التعاون فيما بينها ضمن تنسيق أفضل للعمل. على الرغم من أنه ليس من السهل دائمًا التعامل مع الشبيبة، إلا أننا ننمو من ناحيتين: الوعي بأن المجتمع بأكمله هو الذي يبشرهم، والحاجة الملحّة إلى أن يكون لهم دور أكبر في المشاريع الرعوية.

رعوية سينودسية

203.     أريد أن أؤكّد أن الشبيبة أنفسهم هم وكلاء رعويّة الشبيبة، نرافقهم ونوجّههم، لكنهم أحرار في إيجاد مسارات جديدة بإبداع وجرأة. وبالتالي، أبالغ إذا توقّفت هنا لأقترح نوعًا من دليلٍ لرعويّة الشبيبة أو دليل رعويّ عمليّ. إن الأمر يتعلّق أكثر بإشراك براعة الشبيبة وإبداعهم والمعرفة التي يملكونها فيما يخصّ حساسيّة الشبيبة الآخرين ولغتهم ومشاكلهم.

204.     أنهم يجعلونا نرى الحاجة إلى وضع أساليب جديدة واستراتيجيات جديدة. على سبيل المثال، في حين أن البالغين يسعون غالبًا للحصول على كل شيء مبرمج، من خلال اجتماعات دورية وأوقات ثابتة، لا ينجذب معظم الشبيبة اليوم إلى هذه المخطّطات الرعوية. تحتاج رعوية الشبيبة إلى اكتساب مرونة أخرى، وإلى دعوة الشبيبة إلى نشاطات، تقدّم لهم مكانًا لا يحصلون فيه فقط على تنشئة، ولكن تسمح لهم أيضًا بالمشاركة بالحياة، وبالاحتفال، والغناء، والاصغاء إلى شهادات حقيقية واختبار اللقاء الجَماعيّ مع الله الحيّ.

205.     من ناحية أخرى، من المستحسن للغاية جمع المزيد من الممارسات الجيّدة: تلك المنهجيات، تلك اللغات، تلك الدوافع التي أظهرت أنها جذّابة بالفعل لتقريب الشبيبة من المسيح والكنيسة. لا يهمّ من أيّ لون كانوا: من “المحافظين أو التقدّميين”، من “اليمين أو اليسار”. الشيء المهمّ هو أن نجمع كلّ ما قد أعطى نتائج جيّدة وكان فعّالًا في توصيل فرح الإنجيل.

206.     لا يمكن أن تكون رعوية الشبيبة إلّا سينودسية، يعني أن تقيم “مسيرة مشتركة” أي “إبراز المواهب التي يمنحها الروح وفقًا لدعوة ودور كلّ عضو من أعضاء الكنيسة، من خلال ديناميكية المسؤولية المشتركة [...] ومتحلين بهذا الروح، يمكننا أن نسير نحو كنيسة تشاركية ومسؤولة، قادرة على تقييم غنى التنوّع الذي يكوّنها، وتقبل بامتنان إسهام المؤمنين العلمانيّين، بمن فيهم الشبيبة والنساء، وإسهام الحياة المكرّسة، رجالا ونساء، وإسهام الجماعات والجمعيّات والحركات. لا يجب أن تَستَبعد أيّ شخص، أو أن تسمح بأن يَستبعِد أيّ شخص نفسه”[111].

207.     وبهذه الطريقة، من خلال التعلّم من بعضنا البعض، يمكننا أن نعكس بشكل أفضل تلك الوجوه الرائعة التي يجب أن تكون كنيسة يسوع المسيح. يمكنها أن تجتذب الشبيبة على وجه التحديد، لأنها ليست وحدة متجانسة، إنما شبكة من المواهب المتنوّعة التي يسكبها الروح بشكل مستمرّ، مما يجعلها جديدة على الدوام بالرغم من بؤسها.

208.     كان هناك العديد من المقترحات الملموسة في السينودس، التي تهدف إلى تجديد رعوية الشبيبة وتحريرها من المخطّطات التي لم تعد فعّالة لأنها لا تدخل في حوار مع ثقافة الشبيبة الحاليّة. من الواضح أنه لا يمكنني استرجاعها جميعًا هنا، ويمكن أن تجدوا بعضها في الوثيقة الختامية للسينودس.

الخطوط الرئيسية للعمل

209.     أودّ فقط أن أسلّط الضوء بإيجاز على أن رعوية الشبيبة تتضمّن خطّين رئيسيّين للعمل. أحدهما هو البحث، الاستدعاء، الدعوة التي تجذب شبانًا جددًا لاختبار الربّ. والآخر هو النموّ، تطوير مسيرة نضج الأشخاص الذين قد عاشوا هذا الاختبار.

210.     فيما يتعلّق بالخطّ الأوّل، بالبحث، إني أثق في قدرة الشبيبة أنفسهم، الذين يعرفون كيفيّة إيجاد طرق جذّابة للاستدعاء. هم يعرفون كيفية تنظيم المهرجانات والمسابقات الرياضية، وحتى يعرفون كيفية التبشير في الشبكات الاجتماعية عبر الرسائل، والأغاني، ومقاطع الفيديو، وتدخّلات أخرى. من الضروري فقط تحفيز الشبيبة ومنحهم حرّية التصرّف حتى يتحمّسوا لعمل الرسالة في البيئة الشبابية. يمكن للبشارة الأولى أن توقظ تجربة إيمان عميق أثناء “رياضة روحيّة مؤثّرة”، أو أثناء محادثة في حانة، أو في استراحة للكلية، أو عن طريق أيّ من مسارات الله التي لا يمكن فهمها. ولكن الشيء الأكثر أهمية هو أن يجرؤ كلّ شابّ على زرع البشارة الأولى في تلك الأرض الخصبة التي هي قلب الشاب الآخر.

211.     يجب أن نعطي الأولوية في هذا البحث إلى لغة التقارب، وهي لغة الحبّ المجّاني، العلائقي والوجودي الذي يلمس القلب، ويبلغ الحياة، ويوقظ الرجاء والأماني.من الضروري أن نقترب من الشباب بلغة الحب وليس بالإقتناص. اللغة التي يفهمها الشبيبة هي لغة الذين يبذلون حياتهم، والذين هم هناك بسببهم ومن أجلهم، والذين يحاولون، بالرغم من محدوديتهم ومن ضعفهم، أن يعيشوا إيمانهم بتماسك. لكن علينا في الوقت نفسه، أن نبحث بحساسية أكبر كيف نجسّد البشارة في اللغة التي يتحدّث بها شبيبة اليوم.

212.     فيما يتعلّق بالنمو، أريد أن أعطي تحذيرًا مهمًا. يحدث في بعض الأماكن أن، بعد أن يعيش الشبيبة اختبارًا عميقًا مع الله، ولقاء مع يسوع قد لمس قلوبهم، يُعرَض عليهم اجتماعات “تنشئة” حيث يعالجون فيها الأسئلة العقائدية والأخلاقية وحسب: حول شرور العالم الحالي، والكنيسة، والعقيدة الاجتماعية، والعفّة، والزواج، وتحديد النسل وقضايا أخرى. والنتيجة هي أن العديد من الشبيبة يشعرون بالملل، ويفقدون حماس اللقاء بالمسيح وفرح اتّباعه، ويترك الكثيرون المسيرة ويصبح آخرون حزينين وسلبيين. لنهدّئ من هاجس نقل مجموعة المحتويات العقائدية، ولنحاول قبل كلّ شيء، خلق الاختبارات العظيمة التي تعضد الحياة المسيحية وتجذّرها. كما قال رومانو غوارديني: “في اختبار حبّ عظيم [...] كلّ ما يحدث يصبح حدثًا في مجاله”[112].

213.     إن أيّ مشروع تنشئة، أيّ مسيرة نموّ للشبيبة، يجب أن تشتملعلى تنشئة عقائدية وأخلاقية. ومن المهمّ أيضًا أن تركّز على محورين رئيسيين: الأوّل هو تعميق البشارة، الاختبار التأسيسي القائم على اللقاء مع الله من خلال المسيح المائت والقائم من الموت. والآخر هو النموّ في المحبّة الأخوية، وفي الحياة المجتمعية، وفي الخدمة.

214.     لقد أصررت كثيراً على ذلك في فرح الإنجيل وأعتقد أنه من المناسب التذكير به. فمن ناحية، من الخطأ الاعتقاد أنه يجب التخلّي عن البشارة، في رعوية الشبيبة، “سعياً وراء تنشئة من المفترض أن تكون “أكثر صلابة”. فليس هناك من أمر أكثر صلابة وعمقًا وأمانًا وكثافةً وحكمةً من هذه البشارة. إن كلّ التنشئة المسيحية هي أوّلًا وقبل كلّ شيء تعميق للبشارة التي تتجسّد أكثر فأكثر وبشكل أفضل”[113]. وبالتالي، يجب أن تشمل رعوية الشبيبة دائمًا لحظات تساعد على تجديد الاختبار الشخصيّ لمحبّة الله وللمسيح يسوع الحيّ، وتعميقه. وسوف تقوم به عبر مصادر مختلفة: شهادات، أغاني، أوقات عبادة، فسحات للتأمّل الروحي مع الكتب المقدّسة، وحتى مع محفزات مختلفة من خلال الشبكات الاجتماعية. لكن لا يجب استبدال هذا الاختبار الفَرِح، اختبار اللقاء بالربّ، بنوع من “التلقين العقائدي”.

215.     من ناحية أخرى، يجب أن تتضمّن أيّ خطة رعوية للشبيبة وسائلَ ومواردَ متنوّعة لمساعدة الشبيبة على النموّ في الأخوّة، وعلى العيش كإخوة، ومساعدة بعضهم البعض، وخلق جماعة، وخدمة الآخرين، والتقرّب من الفقراء. إذا كانت المحبّة الأخوية هي “الوصية الجديدة” (يو 13، 34)، إذا كانت “كَمالُ الشَّريعة” (روم 13، 10) إذا كان هذا هو أفضل ما يظهر حبّنا لله، فعليها أن تحتلّ مكانًا مناسبًا في جميع خطط تنشئة الشبيبة ونموّهم.

بيئات مناسبة

216.     إننا نحتاج، في جميع مؤسّساتنا، إلى زيادة تطوير وتعزيز قدرتنا على الاستقبال الودّي، لأن العديد من الشبيبة الذين يصلون هم في حالة عميقة من اليُتم. ولا أشير هنا إلى صراعات عائلية معينة، ولكن إلى تجربة تطال، على حدّ السواء، الأطفال والشبيبة والكبار والأمّهات والآباء والأبناء. وعلى الجماعات، مثل الرعية والمدرسة، أن تقدّم للعديد من الأيتام معاصرينا -ربما أنفسنا؟- مسارات محبّة مجّانية، وتعزيز، وتثبيت ونموّ. يشعر الكثير من الشبيبة اليوم بأنهم أبناء الفشل، لأن أحلام آبائهم وأجدادهم احترقت في محارق الظلم، والعنف الاجتماعي، والـ “”ليخلّص كلّ نفسَه”. كم من فقدان للجذور! إذا نشأ الشبيبة في عالم من الرماد، فليس من السهل عليهم أن يحافظوا على حماس الأوهام والمشاريع العظيمة. إذا نشأوا في صحراء خالية من المعنى، كيف يمكنهم التضحية بأنفسهم كي يزرعوا؟ إن تجربة التوقّف، واقتلاع الجذور، وسقوط اليقين الأساسي، التي تعززها الثقافة الإعلامية الحالية، تثير هذا الشعور العميق باليتم الذي يجب أن نواجهه عبر خلق فسحات أخوية وجذّابة يعيش فيها المرء بإحساس.

217.     إن بناء “بيت” هو باختصار “بناء عائلة؛ هو أن نتعلّم كيف نشعر باتّحاد مع الآخرين أبعد من الروابط النفعية أو الوظيفية، وأن نتّحد بطريقة تجعلنا نشعر بأن الحياة هي أكثر إنسانية. إن بناء بيت، يعني أن نسمح للنبوّة بأن تتجسّد وأن تجعل ساعاتنا وأيامنا أكثر ضيافة وبعيدة عن اللامبالاة والمجهوليّة. إنه نسج روابطٍ تُبنى عبر لفتات بسيطة، يوميّة، يمكننا جميعًا القيام بها. فالبيت، وكلّنا نعرفه جيدًا، يحتاج إلى تعاون الجميع. ولا يمكن لأحد أن يكون غير مبال أو غريب، لأن كلّ واحد هو حجر ضروريّ في بنائه. وهذا يعني أن نطلب من الربّ أن يمنحنا النعمة كي نتعلّم كيف نتحلّى بالصبر، وكيف نغفر لبعضنا؛ نتعلّم كيف نبدأ من جديد كلّ يوم. وكم من مرّة يجب أن نغفر أو نبدأ من جديد؟ سبعين مرّة سبع مرّات، كلّما لزم الأمر. فإنشاء روابط قويّة يتطلّب الثقة التي يغذّيها الصبر والمغفرة يوميًّا. وهكذا تحدث معجزة الاختبار أن هنا يولد المرء من جديد، هنا نولد جميعًا من جديد لأننا نشعر بعناق الله الفعّال الذي يسمح لنا بأن نحلم بعالم أكثر إنسانية، وبالتالي، أكثر ألوهية”[114].

218.     في هذا السياق، يجب أن نقدّم للشبيبة في مؤسّساتنا أماكن مناسبة، يمكنهم التصرّف بها كما يحلو لهم، وحيث يمكنهم الدخول والخروج بحرّية؛ أماكن تستضيفهم، وحيث يمكنهم الذهاب تلقائيًا وبثقة كي يلتقوا بشبيبة آخرين في الصعوبات كما وعند الملل، أو عندما يرغبون في الاحتفال بأفراحهم. وقد حقّق شيئًا من هذا بعض المعاهد وبعض مراكز الشبيبة الأخرى، والتي تشكّل، في كثير من الحالات، الأجواء التي يعيش فيها الشبيبة خبرات الصداقة، أو الحبّ، وحيث يمكنهم أن يلتقوا وأن يتشاركوا بالموسيقى، والترفيه، والرياضة، وكذلك التأمّل والصلاة، مع بعض العون والمشاريع المختلفة. وتجد بهذه الطريقة سبيلها البشارةُ من شخص لآخر، والتي لا غنى عنها، ولا يمكن الاستعاضة عنها بأيّ مصدر أو استراتيجية رعوية.

219.     “إن الصداقة والعلاقات، التي غالبًا ما تكون أيضًا في مجموعات نظامية إلى حدّ ما، تقدّم الفرصة لتعزيز الكفاءات الاجتماعية والعلائقية في سياق لا يتمّ فيه تقييم الشخص أو إدانته. ويشكّل الاختبار الجماعي بدوره مورداً للمشاركة بالإيمان ولمساعدةٍ متبادلة على الشهادة. فباستطاعة الشبيبة أن يوجّهوا الشبيبة الآخرين وأن يعيشوا رسالة حقيقية وسط أصدقائهم”[115].

220.     هذا لا يعني أنهم معزولون ويفقدون أيّ اتّصال مع جماعات الرعايا والحركات والمؤسّسات الكنسية الأخرى. لكنهم يندمجون بشكل أفضل في مجتمعات منفتحة، حيّة في الإيمان، حريصة على إشعاع نور يسوع المسيح، فرحة، حرّة، أخوية وملتزمة. وباستطاعة هذه الجماعات أن تكون القنوات التي يشعرون فيها أنهم يستطيعون تنمية علاقات قيّمة.

رعوية المؤسّسات التعليمية

221.     لا شكّ أن المدرسة تشكّل منصّة للتواصل مع الأطفال والشبيبة. إنها مكان متميّز لتعزيز الشخص، ولذا لطالما أولى المجتمع المسيحي اهتمامًا كبيرًا بها، سواء عبر تنشئة المعلّمين والمدراء، أم من خلال إنشاء مدارسه الخاصة، من كلّ نوع ومستوى. وفي هذا المجال، قد خلق الروح القدس عددًا لا يحصى من المواهب ومن شهادات للقداسة. لكنها تحتاج إلى نقد ذاتي عاجل، إذا ما رأينا النتائج التي خلّفها العمل الرعوي في الكثير منها؛ هو عمل رعوي يركّز على التعليم الديني الذي غالبًا ما أظهر عدم قدرته على خلق اختبارات إيمان تدوم. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المدارس الكاثوليكية التي يبدو أنها منظّمة لتحافظ على الموجود وحسب. فالخوف من التغيير يجعلهم غير قادرين على تحمل عدم اليقين وتدفعهم إلى الانغلاق إزاء المخاطر التي يحملها كلّ تغيير، أكانت حقيقية أم تخيّلية. والمدرسة التي تحوّلت إلى “مخبأ” يحمي من الأخطاء “الخارجية”، هي تعبير كاريكاتوري عن هذا الميل. وتعكس هذه الصورة، بطريقة محزنة، ما يختبره الكثير من الشبيبة عند تخرّجهم من بعض المؤسّسات التعليمية: هناك تباين، من الصعب تخطّيه، بين ما تعلّموه والعالم الذي يعيشون فيه. حتى أن التوجيهات الدينيّة والأخلاقيّة التي تلقّوها لم تعدّهم لمواجهة عالم يسخر منهم، ولم يتعلّموا طرقًا للصلاة ولعيش الإيمان يمكنهم المحافظة عليها بسهولة وسط إيقاع هذا المجتمع. من أكبر أفراح المعلّم، في الواقع، هو عندما يرى طالبًا يبني نفسه كشخص قويّ ومتكامل، ويلعب دورًا مهمًّا ومعطاء.

222.     لا تزال المدرسة الكاثوليكية ضرورية كمكان لتبشير الشبيبة. ومن المهمّ مراعاة بعض المعايير الملهمة المشار إليها في الفرح الحقيقي من أجل تجديد المدارس والجامعات التي هي “في انطلاق” وإرسالية، وإعادة إطلاقها، مثل: خبرة البشارة، والحوار على جميع المستويات، والتداخل بين التخصّصات المقررة، وما بعد التخصصات المقررة، وتعزيز ثقافة اللقاء، والحاجة الملحّة إلى “بناء شبكة” وخيار الأخيرين، أولئك الذين يستبعدهم المجتمع ويتجاهلهم[116]. كما والقدرة على دمج معرفة الرأس، والقلب، واليدين.

223.     من ناحية أخرى، لا يمكننا فصل التنشئة الروحية عن التنشئة الثقافية. فطالما ما أرادت الكنيسة تطوير مساحات للشبيبة لثقافة أفضل. ولا يجب أن تتخلّى عن هذا، لأن للشبيبة الحقّ في ذلك. “إن الحقّ في الثقافة، لا سيّما اليوم، وقبل كلّ شيء، يعني حماية الحكمة، أي المعرفة الإنسانية والمؤنسِنَة. فغالبًا ما قد كيفّتنا نماذج حياة تافهة وزائلة، تدفعنا إلى مواصلة النجاح بتكلفة منخفضة، مستبعدة التضحيات، وغارسة فكرة أن الدراسة ليست ضرورية إذا لم تقدّم على الفور شيئًا ملموسًا. كلا، الدراسة تساعدنا على طرح الأسئلة، وعلى عدم السماح للأمور التافهة بتخديرنا، وعلى إيجاد معنى الحياة. يجب المطالبة بالحقّ في ألّا تسود “عرائس البحر” الكثيرة التي تصرفنا اليوم عن هذا البحث. إن عوليس، كي لا يستسلم لأغنية عرائس البحر، التي أغرت البحارة وجعلتهم يتحطّمون على الصخور، ربط نفسه بشجرة السفينة وغطّى آذان رفاقه. أما أورفيوس، وكي يتصدّى لأغنية عرائس البحر، قام بشيء آخر: غنّى لحنًا أجمل فأطرب عرائس البحر. هذه هي مهمّتكم العظيمة: مواجهة الألحان المُشِلّة التي يطلقها الاستهلاك الثقافي عبر خيارات ديناميكية وقوية، والبحث والمعرفة والمشاركة[117].

مجالات مختلفة للتطورات الرعوية

224.     إن الكثير من الشبيبة يستطيعون أن يتذوّقوا الصمت والعلاقة الحميمة مع الله. كما وازداد عدد الجماعات التي تتجمّع للسجود للقربان الأقدس أو للصلاة عبر كلمة الله. لا يجب التقليل من شأن الشبيبة كما لو كانوا غير قادرين على الانفتاح على مبادرات تأمّلية. ينبغي فقط إيجاد الأساليب والطرق المناسبة لمساعدتهم على البدء في هذه التجربة ذات القيمة السامية للغاية. فيما يتعلّق بمجالات العبادة والصلاة، “يطلب الشبيبة الكاثوليكيين، في سياقات مختلفة، مبادرات صلاة وعيش للأسرار، قادرة على إدخال حياتهم اليوميّة في ليتورجيا نضرة، وأصيلة وفرحة”[118]. من المهمّ بالتالي الاستفادة من أقوى لحظات السنة الليتورجية، خاصة أسبوع الآلام والفصح وعيد العنصرة وعيد الميلاد. إنهم يحبّون كذلك اللقاءات الاحتفالية الأخرى، التي تكسر الروتين، وتساعد على اختبار فرح الإيمان.

225.     إن الخدمة تشكّل فرصة فريدة للنموّ وأيضًا للانفتاح على الهبة الإيمانية والمحبّة: يشعر العديد من الشبيبة بانجذاب إلى إمكانية مساعدة الآخرين، ولا سيّما الأطفال والفقراء. وغالبًا ما تكون هذه الخدمة هي الخطوة الأولى لاكتشاف أو لإعادة اكتشاف الحياة المسيحيّة والكنسيّة. والكثير منهم يشعر بالتعب من برامج التنشئة العقائدية وحتى الروحية، ويطالبون أحيانًا بإمكانية الحصول على دور أكبر في الأنشطة التي تقدّم شيئًا للناس.

226.     لا يمكننا أن ننسى التعبيرات الفنية، مثل المسرح، والرسم، وغيرها. إنما “أهمّية الموسيقى هي خاصّة، وتمثّل بيئة حقيقية خاصة، ينغمس فيها الشبيبة باستمرار، فضلًا عن أنها ثقافة ولغة قادرة على إثارة العواطف وتشكيل الهوية. كما تمثّل اللغة الموسيقيّة موردًا رعويًا، يتفاعل بشكل خاص مع الليتورجيا وتجديدها”[119]. وقد يشكّل الغناء حافزًا كبيرًا لمسار الشبيبة. قال القدّيس أوغسطينوس: “غنّ، لكن امشِ؛ خفّف عملك بالغناء، لا تحبّ الكسل: غنّ وامشِ [...] أنت، إذا تقدّمت، تمشي؛ ولكن تقدّم في الخير، في الإيمان الصحيح، في الأعمال الصالحة: غنّ وامش”ِ[120].

227.     “من المهمّ أيضًا المكانة التي يوليها الشبيبة للرياضة، والتي لا ينبغي أن تقلّل الكنيسة من شأنها في التعليم والتنشئة، فتحافظ على حضور قويّ في هذا المجال. يجب مساعدة عالم الرياضة على التغلّب على الغموض الذي ساده: مثل تأليه الأبطال، والخضوع إلى المنطق التجاري، وإيديولوجية النجاح بأيّ ثمن”[121]. في أساس التجربة الرياضية هناك “الفرح: فرح الحركة، فرح التواجد معًا، فرح الحياة والمواهب التي يهبنا إياها الخالق كلّ يوم”[122]. من ناحية أخرى، أخذ بعض آباء الكنيسة مثال الرياضية كي يدعوا الشبيبة إلى النموّ بالقوّة والتغلّب على النعاس أو على الراحة. وكان القدّيس باسيليوس الكبير، حين يخاطب الشبيبة، يأخذ مثال الجهد الذي تتطلّبه الرياضة، كي يغرس فيهم القدرة على التضحية من أجل النموّ في الفضائل: “بعد أن فرضوا على أنفسهم آلاف وآلاف التضحيات من أجل زيادة قوّتهم البدنيّة بكلّ الوسائل، واجتهدوا في التدريبات الرياضيّة الشاقّة [...] وباختصار، بعد أن جعلوا من كلّ الفترة التي تسبق المسابقة الكبرى تحضيرًا لها وحسب، أطلقوا [...] جميع مواردهم الجسدية والنفسية، من أجل نوال الإكليل [...]. ونحن الذين ننتظر، في الحياة الأخرى، أجرة عظيمة للغاية، يعجز اللسان عن وصفها، هل نعتقد أننا نستطيع نيلها عبر قضاء الحياة في الضعف والعطالة؟”[123].

228.     إن الاتّصال مع الخلق يجذب العديد من المراهقين والشبيبة بشكل خاص، وهم حسّاسون لرعاية البيئة، كما هو الحال مع الكشّافة والجماعات الأخرى التي تنظّم أيّاما وسط الطبيعة، ومخيّمات ومسيرات لمسافات طويلة وحملات بيئية. وتشكّل هذه، بروح القدّيس فرنسيس الأسيزي، اختبارات يمكن أن ترسم طريقًا لإدخالنا في مدرسة الأخوّة العالمية وفي الصلاة التأملية.

229.     لا يجب أن تجعلنا هذه الاحتمالات وغيرها من الاحتمالات المتنوعة، التي تنفتح على تبشير الشبيبة، ننسى أنه، إلى جانب التغييرات في التاريخ وفي حساسية الشبيبة، هناك مواهب الله التي تبقى حاليّة على الدوام وتحتوي على قوّة تتعالى فوق جميع الأزمنة والظروف: كلمة الربّ الحيّة والفعّالة على الدوام، وحضور المسيح في الإفخارستيا التي تغذينا، وسرّ الغفران الذي يحرّرنا ويقوّينا. يمكننا أن نذكر أيضًا الغنى الروحي الذي لا ينضب والذي تحتفظ به الكنيسة في شهادة القدّيسين وفي تعليم المعلّمين الروحيّين. حتى وإن كان يجب احترام المراحل المختلفة، وعلينا أن ننتظر أحيانًا بصبر الوقت المناسب، لا يمكننا عدم دعوة الشبيبة إلى ينابيع الحياة الجديدة هذه، وليس لدينا الحقّ في حرمانهم من الكثير من الخير.

رعوية شعبية للشبيبة

230.     بالإضافة إلى العمل الرعوي المعتاد الذي تقوم به الأبرشيات والحركات، وفقًا لبعض المخطّطات، من المهمّ للغاية إنشاء “رعوية شعبية للشبيبة”، لها أسلوب آخر، وأوقات أخرى، وإيقاع آخر، ومنهجية أخرى. هي عبارة عن رعوية أوسع وأكثر مرونة، رعوية تحفّز، في الأماكن المختلفة التي ينتقل فيها الشبيبة فعلًا، أولئك القادة الطبيعيون وتلك المواهب التي قد زرعها الروح القدس في وسطهم. ويعني، قبل كلّ شيء، ألّا نضع الكثير من العقبات والمعايير والضوابط والأطر الإلزامية على هؤلاء المؤمنين الجدد الذين هم قادة طبيعيون في الأحياء وفي بيئات مختلفة. علينا فقط أن نرافقهم ونحفّزهم، ونثق أكثر في عبقرية الروح القدس الذي يعمل كما يريد.

231.     نتحدّث عن قادة “شعبيّين” حقًا، وليس نخبويين أو منغلقين في مجموعات صغيرة من المختارين. وكي يكونوا قادرين على إنشاء رعوية شعبية في عالم الشبيبة، من الضروري أن “يتعلّموا فَهمَ مشاعر الناس، ويتحدّثوا باسمهم ويعملوا من أجل تعزيزهم”[124]. عندما نتحدّث عن “الشعب”، فلا نعني هيكليات المجتمع أو الكنيسة، ولكن مجموعة الأشخاص الذين لا يمشون كأفراد إنما كنسيج جماعة تتكوّن من الجميع ومن أجل الجميع، والتي لا تقدر أن تسمح بأن يُترك خلفها الفقراء والضعفاء: “يريد الشعب أن يشاركَ الجميعُ في الخير العام، ولذا يقبل التكيّف مع خطى الأخيرين كي يصل الجميع سويّا”[125]. والقادة الشعبيون بالتالي، هم الأشخاص الذين لديهم القدرة على دمج الجميع، شاملين الفقراء، والضعفاء والمحدودين، والمجروحين، في مسيرة الشبيبة. لا يشعرون بالاشمئزاز أو بالخوف من الشبيبة المجروحين والمصلوبين.

232.     وفي هذا النحو، علينا أن نحفّز “الخير الممكن”[126]، ولا سيّما مع الشبيبة الذين لم ينشأوا في أسر أو مؤسّسات مسيحيّة، وهم في مسيرة نضج بطيء. لقد حذّرنا المسيح من الادعاء بأن كلّ شيء هو “قمح” (را. متى 13، 24- 30). فإننا، في بعض الأحيان، ومن أجل التظاهر برعوية شبيبة “معقمة”، نقية، تتميز بأفكارها المجردة، بعيدًا عن العالم ومحفوظة من كلّ وصمة عار، نحوّل الإنجيل إلى اقتراح دون طعم وغير مفهوم، بعيد، مفصول عن ثقافات الشبيبة، ويناسب فقط نخبة من الشبيبة المسيحيين الذين يشعرون بأنهم مختلفون، لكنهم يطفون في عزلة دون حياة أو خصوبة. فنقتلع أو نخنق بالتالي، مع الزؤان الذي نرفضه، الآلاف من البراعم التي تحاول أن تنمو وسط المحدودية.

233.     وبدلا من “خنقهم بمجموعة من القواعد التي تعطي صورة مختزلة وأخلاقية عن المسيحية، إننا مدعوّون لتوظيف جرأتهم وتنشئتهم على تحمّل مسؤولياتهم، مدركين أن الخطأ والفشل والأزمات، هي اختبارات يمكنها أن تقوّي إنسانيّتهم”[127].

234.     لقد تم التشجيع أثناء السينودس، على بناء رعوية للشبيبة قادرة على خلق فسحات شاملة، حيث يوجد مكان لجميع أنواع الشبيبة وحيث يظهر حقًا أننا كنيسة ذات أبواب مفتوحة. ليس من الضروري أن يقبل المرء بالكامل جميع تعاليم الكنيسة حتى يتمكّن من المشاركة في بعض الفسحات المخصّصة للشبيبة. يكفي أن يكون هناك انفتاح تجاه جميع الأشخاص الذين لديهم الاستعداد والرغبة في لقاء الحقيقة التي كشَفَ عنها الله. قد تتطلّب بعض المشاريع الرعوية أن يكون الشابّ قد سبق وقام بمسيرة معيّنة من الإيمان، لكننا نحتاج إلى رعوية شبابية شعبية تفتح الأبواب وتعطي مجالًا للجميع مع شكوكهم، وصدماتهم، ومشاكلهم، وبحثهم عن هويّتهم، وأخطائهم، وقصصهم، وخبرتهم مع الخطيئة وجميع مصاعبهم.

235.     يجب أن يكون هناك أيضًا مجال “لجميع الذين لديهم رؤى مختلفة للحياة، أو يؤمنون بعقائد أخرى أو هم غرباء عن الأفق الديني. كلّ الشبيبة، دون استثناء، هم في قلب الله، وبالتالي، في قلب الكنيسة. وإننا نقرّ بصراحة أن هذا التأكيد الذي يتردّد صداه على شفاهنا، لا يجد دائمًا تعبيرًا حقيقيًا في عملنا الرعوي: فغالبًا ما نبقى منغلقين في بيئاتنا، حيث لا يصل صوتهم، أو نكرّس أنفسنا لأنشطة أقلّ تطلّبًا وأكثر جزاء، فنخنق ذلك “القلق” الرعوي السليم الذي يجعلنا نترك ضماناتنا المفترضة. فالإنجيل يطلب منا أن نتحلى بالجرأة، ونريد أن نتجرّأ بدون ادعاءات، وبدون اقتناص، وأن نشهد لمحبّة الربّ ونمدّ يدنا إلى جميع شبيبة العالم”[128].

236.     إن رعوية الشبيبة -عندما تتوقّف عن أن تكون نخبوية وتقبل أن تكون “شعبية”- هي عملية بطيئة، ومحتَرِمة، وصبورة، ومفعمة بالرجاء، ولا تعرف التعب، وتتعاطف. لقد تمّ اقتراح مثال تلميذي عمّاوس (را. لو 24، 13- 35) في السينودس، والذي يمكن أن يكون أيضًا نموذجًا لما يحدث في رعوية الشبيبة:

237.     “يسير يسوع مع اثنين من تلاميذه اللذين لم يفهما معنى ما حدث وهما يبتعدان عن أورشليم وعن الجماعة. وكي يرافقهما، سار معهما في الطريق. استجوبهما وأصغى بصبر إلى روايتهما للأحداث كي يساعدهما على إدراك ما يعيشان. بعد ذلك، وبمودّة وقوّة، بشّرهما بالكلمة، وأرشدهما في تفسير الأحداث التي عاشاها على ضوء الكتاب المقدّس. ثمّ قَبِلَ الدعوة للبقاء معهما عند حلول المساء: ودخل في ليلهما. شعر قلبهما بالدفء واستنار عقلهما في الاصغاء إليه، وانفتحت أعينهما عند كسر الخبز. واختارا بأنفسهما أن يعودا أدراجهما دون تأخير، إلى الجماعة، ويشاركا بخبرة اللقاء مع يسوع القائم من الموت”[129].

238.     إن مختلف مظاهر التقوى الشعبية، وخاصة الحجّ، تجذب الشبيبة الذين لا يندمجون عادة بسهولة في الهيكليات الكنسية، وهي تعبير ملموس عن الثقة بالله. إن هذه الأشكال من البحث عن الله، الموجودة بشكل خاص في أفقر الشبيبة، ولكن أيضًا في باقي قطاعات المجتمع، لا ينبغي احتقارها بل تشجيعها وتحفيزها. لأن التقوى الشعبية “هي وسيلة مشروعة لعيش الإيمان”[130] و “تعبير عن العمل الإرسالي العفويّ لشعب الله”[131].

إرساليّون على الدوام

239.     أودّ أن أذكّر أن الشبيبة ليسوا بحاجة إلى قطع شوط طويل حتى يصبحوا إرساليين. وحتى الضعفاء منهم والمحدودين والمجروحين، يمكن أن يكونوا كذلك بطريقتهم الخاصّة، لأنه علينا أن نسمح بأن ينقل الخير دائمًا، حتى وإن كان يتعايش مع الكثير من الهشاشة. فالشابّ الذي يقوم بالحجّ لطلب المساعدة من السيّدة العذراء، ويدعو صديقًا أو زميلًا لمرافقته، يحقّق، عبر هذه البادرة البسيطة، عملًا إرساليًّا قيّمًا. فهناك رسالة شعبية متّصلة بشكل وثيق بالرعوية الشعبية للشبيبة، لا يمكننا ضبطها، وتكسر جميع المخطّطات الكنسية. فلنرافقها، ولنشجّعها، لكن لا نتظاهرنّ بتنظيمها أكثر من اللازم.

240.     إذا كنا نعرف كيف نصغي إلى ما يقوله الروح لنا، فلا يمكننا أن نتجاهل أن خدمة الشبيبة يجب أن تكون دائمًا رعوية إرسالية. فالشبيبة يزدادون غنى عندما يتغلّبون على الخجل ويجدون الشجاعة للذهاب لزيارة المنازل، وبهذه الطريقة يتعاملون مع حياة الناس، ويتعلّمون أن ينظروا إلى أبعد من أسرهم وجماعتهم، ويبدأون في فهم الحياة عبر منظور أوسع. في الوقت نفسه، يتقوّى إيمانهم وشعورهم بالانتماء إلى الكنيسة. أمّا رسالات الشبيبة، التي يتمّ تنظيمها عادةً خلال فترات الإجازة بعد فترة من الإعداد، يمكن أن تخلق تجديدًا للخبرة الإيمانية وكذلك لمقاربات جدّية للدعوات.

241.     لكن الشبيبة هم قادرون على خلق أشكال جديدة من الرسالة، في مختلف المجالات. على سبيل المثال، نظرًا لأنهم يتنقّلون جيدًا على الشبكات الاجتماعية، يجب إشراكهم كي يملأوها بالله والأخوّة والالتزام.

مرافقة من قِبَلِ البالغين

242.     إن الشبيبة يحتاجون إلى أن يحترموا في حريتهم ولكن يحتاجون أيضًا مرافقين. وعلى الأسرة أن تكون أوّل مكان لهذه المرافقة. تقترح رعوية الشبيبة مشروع حياة مبنيًّا على المسيح: بناء منزل، بناء أسرة على الصخر (را. متى 7، 24- 25). وسيتحقّق هذا المنزل، هذا المشروع، بالنسبة لمعظمهم، في الزواج وفي المحبّة الزوجية. لهذا السبب، من الضروري أن تكون رعوية الشبيبة ورعوية الأسرة في استمرارية طبيعية، تعملان بطريقة منسقة ومتكاملة كي تقدرا على مرافقة مسار الدعوة بشكل مناسب.

243.     تلعب الجماعة دورًا مهمّا جدًّا في مرافقة الشبيبة، وعلى الجماعة بأسرها أن تتحمّل مسئولية استقبالهم وتحفيزهم وتشجيعهم وحثّهم. هذا يعني أن يُنظر إلى الشبيبة بتفهّم واحترام ومودّة، ولا يحكم عليهم بشكل مستمرّ أو يطلب منهم الكمال الذي لا يتوافق مع عمرهم.

244.     في السينودس، “لاحظ العديدُ، وجود قليل من الخبراء والاختصاصيّين بالمرافقة. الإيمان بالقيمة اللاهوتية والرعوية للإصغاء يعني إعادة التفكير، من أجل تجديد الطرق التي تُعاش فيها الخدمة الكهنوتية والتحقّق من أولويّاتها. علاوة على ذلك، يدرك السينودس الحاجة إلى إعداد مكرّسين وعلمانيّين، رجالا ونساء، مؤهّلين لمرافقة الشبيبة. ويمكن لموهبة الاصغاء التي يولدها الروح القدس في الجماعات أن تنال شكلًا من الاعتراف المؤسّسي بالخدمة الكنسية “[132].

245.     من الضروري أيضًا بشكل خاصّ، مرافقة الشبيبة الذين يقدّمون أنفسهم كقادة محتملين، حتى ينالوا التنشئة ويستعدّوا. وقد طلب الشبيبة الذين اجتمعوا قبل السينودس تطوير “برامج القيادة أو التنشئة، تطويرًا مستمراً، يؤهّل المرشدين الشبّان. ترى بعض الشابّات عدم وجود شخصيّات مرجعيّة نسائية داخل الكنيسة، يرغبن هنّ أيضًا في تقديم مواهبهنّ الفكرية والمهنية لها. كما نعتقد أنه على الإكليريكيين والرهبان والراهبات، أن يتحلّوا بالمزيد من القدرة على مرافقة الشبيبة الذين يحملون مسؤوليات كهذه”[133].

246.     لقد وصف لنا الشبيبةُ أنفسُهم الميزات التي يتمنّون أن يجدوها في مرافقيهم، وقد عبّروا عنها بوضوح شديد: “على هؤلاء المرشدين أن يتحلّوا ببعض الصفات: أن يكونوا مسيحيين مخلصين ملتزمين في الكنيسة وفي العالم؛ في بحث مستمر عن القداسة؛ لا يحكمون بل يرعون. يصغون بانتباه لاحتياجات الشبيبة؛ يجيبون بلطف؛ لديهم الادراك الذاتي؛ يعرفون كيف يعترفون بمحدوديتهم؛ يدركون أفراح وآلام الحياة الروحية. أمّا الصفة ذات الأهمّية الأساسية هي الاعتراف بأنهم بشر وأنهم قادرون على ارتكاب الأخطاء: غير كاملين، إنما خطأة غُفِرت لهم خطاياهم. فما يحدث غالبًا هو أن شأن المرشدين يُرفع للغاية، وإذا سقطوا، فلسقوطهم تأثير مدمّر على قدرة الشبيبة على الالتزام في الكنيسة. لا ينبغي كذلك أن يقود المرشدون الشبيبةَ إلى أن يكونوا أتباعًا غير ناشطين، بل أن يسيروا معهم، ويسمحوا لهم بأن يكونوا مشاركين نشطين في هذه الرحلة. ويجب أن يحترموا حرّية عمليّة التمييز عند الشابّ عبر توفير الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية بشكل صحيح. وعلى المرشد أن يؤمن بكلّ قواه في قدرة الشابّ على المشاركة في حياة الكنيسة. يجب على المرشد أن يزرع بذور الإيمان لدى الشبيبة، دون أن يتوقّع رؤية ثمار العمل الذي يأتي من الروح القدس. لا ينبغي أن يقتصر هذا الدور على الكهنة والرهبان والراهبات، ولكن يجب أن يكون العلمانيّون أيضًا مؤهّلين له. ويجب على كلّ هؤلاء المرشدين أن يكونوا قادرين على الحصول تنشئة جيّدة مستمرة”[134].

247.     لا شكّ أن المؤسّسات التعليمية الكنسية هي بيئة جماعيّة للمرافقة، تسمح بتوجيه العديد من الشبيبة، خاصة عندما تحاول أن “تستقبل جميع الشبيبة، بصرف النظر عن خياراتهم الدينية، وخلفيتهم الثقافية، وأحوالهم الشخصية أو العائلية أو الاجتماعية. وتقدّم الكنيسة بهذه الطريقة، مساهمة أساسية في التنشئة المتكاملة للشبيبة في مختلف أنحاء العالم”[135]. أمّا إذا وضَعَت هذه المؤسّسات معاييرَ صارمة لقبول الطلاب أو إقامتهم، فسوف تحدّ من عملها بطريقة غير ملائمة، لأنها ستحرم العديد من الشبيبة من مرافقةٍ من شأنها أن تساعدهم على إثراء حياتهم.

الفصل الثامن

الدعوة

248.     يمكن فهم كلمة “الدعوة” بمعنًى واسع، على أنها دعوة الله. وهي تشمل الدعوة إلى الحياة، والدعوة إلى الصداقة معه، والدعوة إلى القداسة، وما إلى ذلك. ولهذا الأمر قيمة عظيمة، لأنه يضع حياتنا بأكملها أمام هذا الإله الذي يحبّنا ويسمح لنا أن نفهم بأنه ما من شيء يأتي نتيجة فوضى لا معنى لها، بل أنه يمكن إدراج كلّ شيء في مسيرة استجابة للربّ، الذي يضمر لنا مشروعًا رائعًا.

249.     أردت في الإرشاد افرحوا وابتهجوا، أن أتوقّف عند دعوة الجميع إلى النموّ لمجد الله، ورغبت في أن “أُرجِّع مرّة أخرى صدى صوت الدعوة إلى القداسة من خلال تجسيدها في السياق المعاصر، مع مخاطرها وتحدّياتها وفرصها”[136]. لقد ساعدنا المجمع الفاتيكاني الثاني في تجديد الوعي على هذه الدعوة الموجّهة إلى الجميع: “إن كلّ المؤمنين [...] أيّا كان وضعهم وحالهم، يدعوهم الله، كلّ حسب طريقه، الى قداسة تجد كمالها في الآب بالذات”[137].

الدعوة إلى الصداقة معه

250.     الشيء الأساسي هو التمييز واكتشاف أن ما يريده يسوع من كلّ شابّ هو قبل كلّ شيء صداقته. هذا هو التمييز الأساسي. في حوار الربّ القائم من الموت، مع صديقه سمعان بطرس، كان السؤال الأهم: “سمعان، ابن يونا، أتحبّني؟” (يو 21، 16). بمعنى آخر: أتريدني كصديق؟ فمهمّة رعاية الخراف والحملان التي كلُّفَ بها بطرس سوف ترتبط على الدوام بهذه المحبّة المجّانية، بمحبّة الصداقة هذه.

251.     وإذا كانت هناك حاجة إلى مثال مخالف، فنذكر اللقاء بين الربّ والشابّ الغني، الذي يخبرنا بوضوح كيف أن هذا الشابّ لم يقبل نظرة الربّ المُحِبّة (را. مر 10، 21). فقد ذهب حزينًا، بعد أن اتّبع إلهامًا صالحًا، لأنه لم ينجح في التخلّي عن الأشياء الكثيرة التي كان يمتلكها (را. متى 19، 22). وفقد فرصة صداقةٍ كان يمكن أن تكون عظيمة. ونحن لا نزال نجهل ما يمكن أن يكون الأمر بالنسبة لنا، ماذا كان يمكن أن يصنع للإنسانية ذاك الشابّ الفريد الذي نظر إليه يسوع بمحبّة ومدّ يده له.

252.     لأن “الحياة التي يعطينا إياها يسوع هي قصّة حبّ، قصّة حياة تريد أن تختلط بحياتنا وتترسّخ في أرض الجميع. وهذه الحياة ليست خلاصًا معلّقًا “في السحاب” في انتظار تنزيلها، ولا “تطبيقًا” جديدًا علينا اكتشافه، أو تمرينًا عقليًّا ناجمًا عن تقنيات النموّ الشخصي. الحياة التي يهبنا الله ليست حتى برنامجًا تعليميًا تصلنا به آخر الأخبار. بل الخلاص الذي يمنحه لنا الله هو دعوة لنكون جزءًا من قصّة حبّ تتداخل مع قصصنا. حبّ يعيش ويريد أن يولد بيننا حتى نتمكّن من أن نعطي ثمرًا حيث نعيش، وكيفما نكون، ومع من نكون. هناك يأتي الربّ ليلقي زرعه وليزرع نفسه”[138].

كونك للآخرين

253.     أودّ الآن التركيز على الدعوة التي تُفهم بالمعنى المحدّد للدعوة إلى الخدمة الإرسالية تجاه الآخرين. إننا مدعوّون من قبل الربّ إلى المشاركة في عمله الخلّاق، عبر تقديم مساهمتنا في الخير العام على أساس المهارات التي نلناها.

254.     هذه الدعوة الإرسالية تتعلّق بخدمتنا للآخرين. لأن حياتنا على الأرض تبلغ كمالها عندما تصبح هبة. أذكّر أن “الرسالة وسط الشعب ليست جزءًا من حياتي، ولا زينة يمكنني أن أخلعها، وليست زيادة، ولا فترة من الوجود. إنها شيء لا يمكنني اقتلاعه من كياني إذا كنت لا أريد أن أدمّر ذاتي. إني رسالة على هذه الأرض، ولهذا وُجدت في هذا العالم”[139]. وبالتالي، يجب أن نعتقد أن كلّ عمل رعويّ يحمل طابع الدعوة، وأن كلّ تنشئة تحمل طابع الدعوة، وأن كلّ روحانية تحمل طابع الدعوة.

255.     لا تتألّف دعوتك فقط من الأنشطة التي يتعيّن عليك القيام بها، حتى وإن تجسّدت من خلالها. بل إنها تتخطّى ذلك، هي مسار سوف يقود العديد من الجهود والعديد من الأعمال باتّجاه الخدمة. ولذا، فمن المهمّ عند تمييز الدعوة، معرفة ما إذا كان الشابّ يرى في شخصه القدرات اللازمة لتلك الخدمة المحدّدة للمجتمع.

256.     هذا يعطي قيمة كبيرة لهذه المهام، لأنها تتوقّف عن أن تكون عبارة عن مجموعة من الأعمال التي تصنع لكسب المال، للتوظيف أو لإرضاء الآخرين. كلّ هذا يشكّل دعوة لأننا مدعوّون، هناك شيء أكثر من مجرّد خيار عمليّ من جانبنا. في النهاية، إنها مسألة معرفة سبب وجودي، ولأيّ غرض أمرّ بهذه الأرض، وما هو تدبير الربّ لحياتي. فهو لن يُظهر لي جميع الأماكن والأوقات والتفاصيل التي سأختارها بحكمة، ولكن سيكون هناك بالتأكيد توجّه في حياتي، يجب أن يُظهره لي لأنه خالقي، وخَزّافي، وأنا بحاجة إلى سماع صوته كي أدَعَه يصيغني ويحملني. وحينها أصبح ما يجب أن أكون، وأكون أمينًا لواقعي الشخصي.

257.     وكي نحقّق دعوتنا الخاصة، من الضروري أن نطوّر كلّ ما نحن عليه، وأن نجعله ينبت وينمو. هذا لا يعني أن نخترع أنفسنا، أو أن نخلق أنفسنا من لا شيء، ولكن أن نكتشف أنفسنا في ضوء الله وأن نزهر: “في تدبير الله، إن كلّ إنسان هو مدعو إلى التنمية، لأن كلّ حياة هي دعوة”[140]. ودعوتك تقودك إلى تقديم أفضل ما لديك لمجد الله ولخير الآخرين. وهذا لا يعني فقط القيام بأعمال ما، بل صنعها بمعنى. في هذا الصدد، قال القدّيس ألبرتو هورتادو للشبيبة أنه عليهم أن يأخذوا المسار على محمل الجدّ: “إن قبطان السفينة المُهمِل، في سفينة ما، يُطرد على الفور، لأن ما في يده هو مقدّس للغاية. وفي الحياة، هل نحن حريصون على مسارنا؟ ما هو مسارك؟ إذا كان من الضروري التعمّق أكثر في هذه الفكرة، أَطلُب من كلّ واحد منكم أن يوليها أهمّية قصوى، لأن النجاح في هذا الأمر يعادل ببساطة النجاح. والفشل في هذا، يعادل ببساطة الفشل”[141].

258.     عادة ما يرتبط “كونك للآخرين” في حياة كلّ شابّ بسؤالين أساسيّين: تكوين أسرة جديدة والعمل. وتؤكّد الدراسات الاستقصائية المختلفة التي أجريت وسط الشبيبة مرّة أخرى، أن هذين هما الموضوعان الرئيسيّان اللذان ينمّيان رغباتهم واهتماماتهم. ويجب أن نخصّ كلا الموضوعين بتمييز خاص. لنتوقّف عندهما بإيجاز.

الحبّ والأسرة

259.     يشعر الشبيبة بقوّة بالدعوة إلى الحبّ ويحلمون بإيجاد الشخص المناسب لتكوين أسرة وبناء حياة مشتركة. وهي بلا شكّ دعوة يقترحها الله نفسه من خلال المشاعر والرغبات والأحلام. وقد توقّفت مطوّلًا عند هذه المسألة في الإرشاد فرح الحبّ وأدعو جميع الشبيبة إلى قراءة الفصلين الرابع والخامس، على وجه الخصوص.

260.     يروق لي أن أفكر بأن “شخصين مسيحيّين يتزوّجان وقد أدركا في قصّة حبّهما دعوة الربّ، الدعوة ليكونا، رجلًا وامرأة، جسدًا واحدًا، وحياة واحدة. ويغمر سرُّ الزواج هذا الحبَّ بنعمة الله، ويجذّره في الله نفسه. وانطلاقا من هذه الهبة، ومع يقين هذه الدعوة، يمكنهما الانطلاق بأمان دون أن يخافا من أيّ شيء، ومواجهة كلّ شيء معًا!”[142].

261.     في هذا السياق، أذكّر أن الله كوّننا مخلوقات جنسيّة. هو نفسه “خلق الجنس، الذي هو هدية رائعة لمخلوقاته”[143]. وفي إطار الدعوة إلى الزواج، يجب أن نعترف ونشعر بالامتنان إزاء حقيقة أن “الحياة الجنسية والجنس هو هدية من الله. ليس من المحرّمات. إنها هبة من الله، هبة يقدّمها الربّ لنا. وله غرضان: أن نحبّ بعضنا البعض وأن نولّد الحياة. إنه شغف، إنه حبّ شغوف. الحبّ الحقيقي هو شغوف. إن الحبّ بين الرجل والمرأة، عندما يكون شغوفًا، يقودك إلى بذل حياتك إلى الأبد. إلى الأبد. وأن تبذلها بالجسد والروح”[144].

262.     أكّد السينودس على أن “العائلة ما زالت تمثّل النقطة المرجعية الرئيسية للشبيبة. ويقدّر الأبناء حبّ الوالدين ورعايتهم، وتهمّهم الروابط العائلية ويأملون في أن يكونوا قادرين بدورهم على بناء أسرة. لا شكّ أن الزيادة في حالات الانفصال، والطلاق، والزواج الثاني، والأسر الوحيدة العائل، قد تسبّب معاناة كبيرة وأزمات هويّة لدى الشبيبة. ويتعيّن عليهم أحيانًا تحمّل مسؤوليّات لا تتناسب مع أعمارهم، وإجبارهم على أن يصبحوا بالغين قبل وقتهم. ويقدّم الأجداد في كثير من الأحيان مساهمة قاطعة في المودّة، وفي التنشئة الدينية: فإنهم، عبر حكمتهم، حلقة وصل حاسمة في العلاقة بين الأجيال”[145].

263.     من المؤكّد أن هذه الصعوبات التي يواجهها الشبيبة في أسرهم الخاصة، تدفع الكثير من الشبيبة لأن يسألوا أنفسهم ما إذا كان الأمر يستحقّ أن يكوّنوا أسرة جديدة، أو يكونوا مخلصين، أو أسخياء. أريد أن أقول لكم نعم، الأمر يستحقّ المراهنة على الأسرة، وسوف تجدون فيها أفضل الحوافز لنضوجكم، وأجمل الأفراح للمشاركة. لا تسمحوا بأن يسلبوكم إمكانية أن تحبّوا بجدّية. لا تنخدعوا بأولئك الذين يقترحون حياة من التهوّر الفرديّ الذي يؤديّ إلى العزلة، إلى أسوأ عزلة.

264.     تسود اليوم ثقافة المؤقّت والتي هي وهم. فالاعتقاد بأن لا شيء يمكن أن يكون نهائيًا هو خداع وكذب. في كثير من الأحيان، “هناك من يقول إن الزواج اليوم قد “عفا عليه الزمن” [...] ويعظ الكثيرون، في ثقافة المؤقّت، والنسبيّ، أن الشيء المهمّ هو “الاستمتاع” باللحظة الحاضرة، وأن الالتزام طيلة الحياة لا يستحقّ العناء، ولا اتّخاذ خيارات نهائية. [...] أمّا أنا، فأطلب منكم أن تكونوا ثوريّين، أطلب منكم أن تسيروا بعكس التيار؛ نعم، في هذا، أطلب منكم التمرّد ضدّ ثقافة المؤقّت، التي تعتقد، بعد كلّ شيء، أنكم غير قادرين على تحمّل المسؤولية، وتعتقد أنكم غير قادرين على المحبّة الحقيقية”[146]. لكنني أثق بكم، ولهذا السبب أشجّعكم على اختيار الزواج.

265.     إن الزواج يقتضي الاستعداد، وهذا يتطلّب تثقيف الذات، وتنمية أفضل الفضائل، ولا سيّما المحبّة، والصبر، والقدرة على الحوار، وعلى الخدمة. كما أنه يعني تثقيف الفرد لحياته الجنسية، بحيث تتوقّف تدريجيًّا عن أن تكون أداة لاستخدام الآخرين، وتصبح قدرة على هبةٍ كاملة للذات إلى شخصٍ آخر بطريقة حصرية وسخيّة.

266.     لقد علّمنا أساقفة كولومبيا أن “المسيح يَعلَم أن الأزواج ليسوا مثاليّين، وأنهم بحاجة إلى التغلّب على ضعفهم وعجزهم حتى يتمكّن حبّهم من أن ينمو ويدوم مع مرور الوقت. ولهذا السبب، يمنح المسيح الزوجين نعمته التي هي، في الوقت نفسه، نور وقوّة تسمح لهما بتحقيق مشروع حياتهما الزوجية بما يتماشى مع تدبير الله”[147].

267.     بالنسبة للذين ليسوا مدعوّين إلى الزواج أو إلى الحياة المكرّسة، يجب أن نتذكّر دائمًا أن الدعوة الأولى والأهمّ هي الدعوةالتي ننالها في المعمودية. ويمكن للأشخاص غير المتزوجين، حتى لو لم يكن ذلك نتيجة خيارهم، أن يصبحوا شهودًا على هذه الدعوة في مسيرة نموّهم الشخصيّة.

العمل

268.     أوضح أساقفة الولايات المتّحدة الأمريكية أن الشبيبة، بمجرّد بلوغهم سنّ الرشد، “غالبًا ما يعني ذلك دخولهم إلى عالم العمل. “كيف تكسب لقمة العيش؟”" هو موضوع محادثة دائم، لأن العمل هو جزء مهمّ من حياتهم. وهذه التجربة، بالنسبة للشبيبة البالغين، هي شديدة “السيلان” لأنهم ينتقلون من عمل إلى آخر وحتى من وظيفة إلى أخرى. فالعمل يقدر أن يحدّد استخدام الوقت، وأيضًا ما يمكنهم فعله أو شراؤه. يمكنه كذلك تحديد نوعية وقت الفراغ وكمّيته. فالعمل يحدّد ويؤثّر على هوية الشخص الشابّ البالغ وفهمه الذاتي، وهو مكان أساسيّ تتطوّر فيه الصداقات والعلاقات الأخرى، لأن الفرد لا يعمل عادةً بمفرده. يتحدّث الشبيبة، رجالًا ونساء، عن العمل، باعتباره إنجازًا لوظيفة، وشيئًا يعطي معنى. يسمح للشبيبة البالغين بتلبية احتياجاتهم العملية، والأهم من ذلك، بأن يبحثوا عن معنى ويحقّقوا أحلامهم ورؤاهم. وعلى الرغم من أن العمل قد لا يساعدهم على تحقيق أحلامهم،  إلّا أنه من المهمّ للشبيبة أن يبنوا رؤية، وأن يتعلّموا العمل بطريقة شخصيّة ومرضيّة فعلًا لحياتهم، والاستمرار في تمييز دعوة الله”[148].

269.     أدعو الشبيبة إلى عدم التوقّع بأن يعيشوا دون عمل، معتمدين على مساعدة الآخرين. هذا ليس جيدًا، لأن “العمل هو ضرورة، إنه جزء من معنى الحياة على هذه الأرض، وهو درب للنضوج وللتطوّر الإنساني ولتحقيق الذات. بهذا المعنى، يجب أن تبقى مساعدة الفقراء بالمال علاجًا مؤقّتًا لمواجهة الحالات الطارئة”[149]. وينتج عن ذلك أن “الروحانيةَ المسيحيةَ، جنبًا إلى جنب مع الاندهاش التأمّلي بالمخلوقات الذي نجده لدى القدّيس فرنسيس الأسيزي، قد طوّرَت فهمًا غنيًّا وصالحًا للعمل، كما يمكننا أن نراه، مثلا، في حياة الطوباوي شارل دي فوكو وتلاميذه”[150].

270.     أكّد السينودس على أن عالم العمل هو مجال يتعرّض فيه الشبيبة “لأشكال الإقصاء والتهميش. وأوّل شكل من هذه الأشكال وأكثرها خطورة هو بطالة الشبيبة، التي تصل في بعض البلدان إلى مستويات فادحة. بالإضافة إلى أن نقص العمل يجعلهم فقراء، فهو يخفّض القدرة على الحلم والرجاء لدى الشبيبة ويحرمهم من إمكانية المساهمة في تنمية المجتمع. ويرجع ذلك، في العديد من البلدان، إلى أن بعض الفئات من الشبيبة تفتقر إلى المهارات المهنية الكافية، بسبب عجز نظام التعليم والتنشئة. وغالبًا ما يستجيب عدم الاستقرار المهني الذي يعاني منه الشبيبة، للمصالح الاقتصادية التي تستغلّ العمل”[151].

271.     إنها مسألة حسّاسة للغاية، يجب على السياسة أن تعتبرها مسألة أولويّة، خاصة وأن سرعة التطوّرات التكنولوجية الآن، مع هاجس تخفيض تكاليف العمالة، قد تؤدّي بسرعة إلى استبدال وظائف لا تُحصى ولا تعدّ، بآليّات. هذه مسألة أساسية للمجتمع، لأن العمل بالنسبة للشابّ ليس مجرّد نشاط يهدف إلى إنتاج دخل. إنه تعبير عن الكرامة الإنسانية، وهو مسيرة نضوج وادماج اجتماعي، وهو حافز دائم للنموّ من حيث المسؤولية والإبداع، وهو حماية ضدّ الميل إلى الفرديّة والراحة، كما أنه تمجيد لله من خلال تنمية قدرات الفرد.

272.     ليس لدى الشابّ دائمًا فرصة اختيار الأمر الذي يكرّس له جهوده، ولا العمل الذي من أجله يبذل طاقاته وقدرته على الابتكار. لأنه، أبعد من رغبات المرء، وبعيدًا عن قدراته والتمييز الذي باستطاعته أن يقوم به، هناك حدود الواقع الصعبة. صحيح أنه لا يمكنك العيش بدون عمل وأنه في بعض الأحيان سيكون عليك قبول ما تجده، ولكن لا تتخلّى أبدًا عن أحلامك، ولا تدفن دعوتك نهائيًّا، ولا تستسلم أبدًا. استمرّ في البحث عن طرق جزئية أو ناقصة على الأقل، لعيش ما قد أدركت، في تمييزك، أنه دعوة حقيقية.

273.     عندما يكتشف المرء أن الله يدعوه إلى شيء ما، وأنه خُلِقَ له –قد يكون التمريض، أو النجارة، أو الاتّصالات، أو الهندسة، أو التدريس، أو الفنّ، أو أيّ عمل آخر- عندها سيكون قادرًا على إظهار قدرته على التضحية والسخاء والتفاني. فإدراك الشابّ أنه لا يقوم بالأشياء فقط للقيام بها، بل يحمّلها معنى، كإجابة على دعوة يتردّد صداها في أعماقه كي يعطي شيئًا للآخرين، يجعل هذه الأنشطة تملأ قلبه بشعور خاصّ بالرضوان. هذا ما قاله كتاب التوراة القديم في سفر الجامعة: “رَأَيتُ أَنَّهُ لا شيءَ خَيرٌ مِن أَن يَفرَحَ الإنْسانُ بِأَعْمالِه” (3، 22).

دعوة إلى تكرّس خاص

274.     إذا انطلقنا من قناعتنا بأن الروح ما زال يثير الدعوات إلى الكهنوت والحياة الرهبانية، فيمكننا أن “نرمي الشباك مرّة أخرى” باسم الربّ، بثقة تامّة. يمكننا -ويجب علينا- أن نتحلّى بالشجاعة لنقول لكلّ شابّ أن يسأل نفسه عن إمكانية اتّباع هذا المسار.

275.     لقد اقترحت هذا أحيانًا على شبيبة أجابوني بلهجة ساخرة، قائلين: “كلا، أنا في الحقيقة، لا آخذ هذا الاتّجاه”. ومع ذلك، بعد سنوات كان بعضهم في المدرسة الإكليريكية. لا يمكن أن يفشل الربّ في وعده بعدم ترك الكنيسة دون كهنة، والتي من دونهم لا تستطيع عيش رسالتها أو تحقيقها. وإن كان بعض الكهنة لا يعطون شهادة صالحة، فلن يتوقّف الربّ لهذا السبب عن الدعوة. بل إنه، على العكس، يضاعف الرهان، لأنه لا يتوقّف عن رعاية كنيسته الحبيبة.

276.     في تمييز الدعوة، لا يجب استبعاد إمكانية تكريس الذات لله في الكهنوت أو في الحياة الرهبانية أو في أشكال أخرى من التكرّس. لماذا استبعادها؟ تأكّد من أنك إذا شعرت بدعوة الله وتبعتها، فسيكون ذلك هو ما يمنح حياتك الملءَ.

277.     إن يسوع يسير وسطنا كما فعل في الجليل. يتجوّل في شوارعنا ويتوقّف ويحدّق في أعيننا دون تسرّع. دعوته جذابة، وهي رائعة. ومع ذلك، فإن قلق المحفزّات الكثيرة التي “تقصفنا” اليوم وسرعتها، لا تفتح المجال لهذا الصمت الداخلي، الذي نفهم فيه نظرة يسوع ونصغي إلى دعوته. وفي غضون ذلك، سوف تتلقّى العديدَ من المقترحات “المعبّأة بشكل جيّد”، والتي تبدو جميلة ومكثّفة، ولكنها بمرور الوقت سوف تستنزفك، وتتعبك، وتتركك وحيدًا. لا تدع هذا يحدث لك، لأن زوبعة هذا العالم تجرّك إلى سباق لا معنى له، ولا وجهة، ولا أهداف واضحة، وستضيّع بهذه الطريقة الكثير من جهودك. بل ابحث عن فسحات هدوء وصمت، تسمح لك بالتأمّل والصلاة والنظر بشكل أفضل، إلى العالم من حولك، وحينها، مع يسوع، ستتمكّن من رؤية دعوتك في هذه الأرض.

الفصل التاسع

التمييز

278.     لقد سبق لي وتوقّفت عند التمييز بشكل عام، في الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا. اسمحوا لي أن أتناول بعض هذه الأفكار من خلال تطبيقها على تمييز الدعوة الشخصية في العالم.

279.     أذكّر أن الجميعمعرّض، ولكن “بالأخصّ الشبيبة، لخطر “التنقّل” المستمرّ. فمن الممكن الانتقال بالتزامن، بين شاشتين أو ثلاثة، والتفاعل في الوقت نفسه مع سيناريوهات افتراضية مختلفة. دون حكمة التمييز، يمكننا أن نتحوّل بكلّ سهولة إلى دُمى ترضخ للميول الحاليّة”[152]. و “هذا هامٌ عندما يتأتّى جديدٌ في حياتنا الخاصّة، ويجب بالتالي التمييز إن كان هو الخمر الجديدة الآتية من الله أم جديدًا خادعًا من روح العالم أو من روح الشرّير”[153].

280.     هذا التمييز، “حتى لو شملَ العقلَ والحكمةَ فهو يتخطاهما، لأنها مسألة رؤية سرّ التدبير الفريد والذي لا يتكرّر، الذي أعدّه الله لكلّ منّا. [...] ما هو على المحكّ إنما هو معنى حياتي أمام الآب الذي يعرفني ويحبّني، المعنى الحقّ، الذي من أجله أقدر أن أهب حياتي، والذي ما من أحد يعرفه أكثر منه”[154].

281.     وفي هذا النطاق بالذات تتمّ تنشئة الضمير، مما يسمح للتمييز بالتطوّر من حيث العمق والأمانة لله: “تنشئة الضمير هي مسيرة الحياة بكاملها التي يتعلّم فيها المرء كيف ينمّي الشُّعور الَّذي هو أَيضًا في المَسيحِ يَسوع من خلال تبنّي معايير خياراته ونوايا تصرّفه (را. فيل 2، ٥)”[155].

282.     وتتطلّب هذ التنشئة أن نسمح للمسيح بتغييرنا، وفي الوقت عينه، أن نعتاد على صنع “الخير، ونتحقّق منه في فحص الضمير: وهذا لا يعني تحديد الذنوب وحسب، إنما أيضًا إدراك عمل الله في خبرتنا اليوميّة، وفي أحداث التاريخ والثقافات التي نعيش فيها، وفي شهادة العديد من الرجال والنساء الذين سبقونا أو يرافقوننا بحكمتهم. إن كلّ هذا يساعد على النموّ في فضيلة الحكمة، ويمحور التوجّه العام للحياة حول خيارات ملموسة، مدركين بكلّ موضوعية مواهبنا ومحدوديتنا الخاصّة”[156].

كيف تميّز دعوتك

283.     إن العمل على معرفة دعوتنا الخاصة هو عبارة عن التمييز. وهي مهمّة تتطلّب فسحات من العزلة والصمت، لأنه قرار شخصيّ للغاية لا يمكن لأيّ شخص آخر أن يتّخذه عنّا: “حتى ولو كلّمنا الربّ بأساليب مختلفة للغاية أثناء عملنا، عبر الآخرين وفي كلّ وقت، فليس بإمكاننا تجاهل صمت الصلاة المطوّلة كي ندرك بشكل أفضل تلك اللغة، وكي نفهم المعنى الحقيقي للإلهام الذي نعتقد بأنّنا نلناه، وكي نهدّئ القلق ونعيد بناء حياتنا الخاصّة على ضوء الله”[157].

284.     هذا الصمت ليس شكلًا من أشكال العزلة، لأنه “يجب التذكّر بأن التمييز المصلّي يتطلّب الانطلاق من الاستعداد للإصغاء: للربّ، وللآخرين، وللواقع نفسه الذي يسترعي دومًا انتباهنا بطرقٍ جديدة. وحده الشخص المستعدّ للإصغاء، لديه الحرّية في التخلّي عن وجهة نظره الجزئيّة وغير الكافية. [...] لذا فهو حقًّا مستعدّ لقبول دعوةٍ تهدّم ضماناته ولكنّها تقوده إلى حياة أفضل، لأنه لا يكفي أن تسير الأمور على أحسن وجه، وأن يكون كلّ شيء على ما يرام. فربّما يقدّم الله لنا شيئًا إضافيًّا، ونحن، بتشتّتنا الكسول، لا ندركه”[158].

285.     عندما تكون المسألة هي مسألة تمييز للدعوة، من الضروري أن نطرح على أنفسنا أسئلة مختلفة. لا يجب أن نبدأ بالتساؤل عن المكان الذي يمكننا أن نكسب فيه الأكثر، أو أين يمكننا أن نحصل على المزيد من الشهرة والهيبة الاجتماعية، ولا يجب أيضًا أن تبدأ حتى بالتساؤل عن المهام التي ستمنحنا المزيد من المتعة. حتى لا نخطأ، علينا أن نغيّر المنظور ونسأل أنفسنا: هل أعرف نفسي أبعد من المظاهر ومن مشاعري؟ هل أعرف ما يُفرِح قلبي وما يحزنه؟ ما هي نقاط القوّة ونقاط الضعف لديّ؟ وتتبعها أسئلة أخرى على الفور: كيف يمكنني أن أخدم العالم والكنيسة بشكل أفضل وأن أكون أكثر فائدة؟ ما هو مكاني على هذه الأرض؟ ماذا يمكنني أن أقدّم للمجتمع؟ ثم تليها بعض الأسئلة الواقعية الأخرى: هل لدي المهارات اللازمة لأداء هذه الخدمة؟ أو هل يمكنني الحصول عليها وتطويرها؟

286.     يجب طرح هذه الأسئلة ليس فقط بالنسبة لشخصنا أو لميولنا الخاصة، ولكن بالأحرى في علاقتنا مع الآخرين، وفي مواجهاتنا معهم، بحيث يقودنا التمييز إلى رؤية حياتنا بعلاقة مع الآخرين. لهذا السبب أريد أن أذكّر بالسؤال الأكبر: “مرّات عديدة، في الحياة، نضيع الوقت في سؤال أنفسنا: “من أنا؟ “يمكنك أن تسأل نفسك من أنت، وأن تعيش حياتك بأسرها وأنت تبحث عن هويتك. بل اسأل نفسك: “لِمَن أنا؟”[159] أنت لله، دون شكّ. لكنه أراد منك أن تكون للآخرين أيضًا، وقد وضع فيك العديد من الصفات والميول والمواهب والكاريزما التي ليست لك، بل للآخرين.

دعوة صديق

287.     كي نميّز دعوتنا الخاصّة، يجب أن ندرك أنها دعوة صديق: يسوع. عندما نقدّم هدية للأصدقاء، نعطي الأفضل. وليس بالضرورة أغلى شيء أو أصعبه منالًا، ولكن نعرف أنه سيُفرِح الآخر. فهذا الأمر واضح للغاية بالنسبة للصديق لدرجة أنه يمكنه تصوّر ابتسامة صديقه في مخيّلته وهو يفتح هديّته. هذا التمييز في الصداقة هو ما أقترحه على الشبيبة كنموذج إذا كانوا يريدون أن يفهموا ما هي إرادة الله في حياتهم.

288.     أريدكم أن تعرفوا أنه عندما يفكّر الربّ في كلّ شخص، وفي ما يودّ أن يهبه، يفكّر فيه كصديقه الشخصي. وإذا قرّر أن يمنحك نعمة، أو كاريزما تجعلك تعيش حياتك بالملء وتحوّلك إلى شخص مفيد للآخرين، إلى شخص يترك بصمة في التاريخ، فسوف يكون بالتأكيد شيئًا سيجعلك سعيدًا في أعماقك وسوف يحمّسك أكثر من أيّ شيء آخر في هذا العالم. ليس لأن ما هو على وشك أن يمنحك هو كاريزما استثنائي أو نادر، ولكن لأنه سيكون مناسبًا لك تمامًا، مصمّم خصيصًا لحياتك بأكملها.

289.     إن هبة الدعوة ستكون بلا شكّ عطيّة متطلّبة. فهبات الله تفاعلية وكي نستمتع بها، علينا أن نجازف، علينا أن نخاطر. ولكن، لن يكون واجبًا يفرضه شخص آخر من الخارج، إنما شيئًا من شأنه أن يحفّزك على النموّ وعلى اتّخاذ الخيارات كيما تجعل هذه الهبة تنضج وتصبح هديّة للآخرين. عندما ينشئ الربّ دعوة، لا يفكّر فقط فيما أنت عليه، بل في كلّ ما يمكن أن تصبحه، معه ومع الآخرين.

290.     إن قوّة الحياة وقوّة الشخصيّة تغذّي بعضها البعض داخل كلّ شابّ، وتدفعه إلى تجاوز كلّ الحدود. وعدم الخبرة يسمح لهذه القوّة “بالتدفّق”، حتى لو تحوّل سريعًا إلى خبرة، وغالبًا ما تكون مؤلمّة. من المهمّ أن نجعل هذه الرغبة باللامتناهي “عندما لم تحاول بعد البدء”[160]تتواصل مع الصداقة غير المشروطة التي يقدّمها لنا يسوع. إن ما يقترحه يسوع علينا هو، قبل كلّ قانون وكلّ واجب، أن نتّبعه، على غرار الأصدقاء الذين يتبعون بعضهم البعض، ويبحثون عن بعضهم البعض ويتلاقون بصداقة خالصة. وكلّ ما دون هذا يأتي لاحقًا، وحتى ان إخفاقات الحياة يمكن أن تكون خبرة ثمينة للغاية لهذه الصداقة التي لا تبطل أبدًا.

 

 

 

إصغاء ومرافقة

291.     هناك كهنة، رهبان وراهبات، وعلمانيون، محترفون وحتى شبيبة مؤهّلون، باستطاعتهم مرافقة الشبيبة في تمييز دعوتهم. عندما نساعد شخصًا آخر على تمييز طريق حياته، فإن أوّل شيء هو الاصغاء. ويتطلّب هذا الاصغاء ثلاث “حساسيات” أو اعتبارات مميّزة ومكمّلة:

292.     أوّل حساسية أو اعتبار هو للشخص. أي الاصغاء إلى الآخر الذي يعطينا ذاته في كلماته. وعلامة هذا الاصغاء هو الوقت الذي أخصّصه للآخر. إنها ليست مسألة كمّية، ولكن أن يشعر الآخر أن وقتي هو له: الوقت الذي يحتاج إليه للتعبير لي عمّا يريد. يجب أن يشعر أنني أصغي له دون قيد أو شرط، دون أن أشعره بأنه يسيء إلي، أو يتسبّب بفضيحة، أو يزعجني، أو يتعبني. هذا الاصغاء هو ما يصنعه الربّ عندما يبدأ بالسير إلى جانب تلميذي عمّاوس ويرافقهما في قسم كبير من الطريق التي هي في الاتّجاه المعاكس للطريق الصحيح (را. لو 24، 13- 35). عندما تظاهر يسوع بأنه ذاهب إلى مكان أبعد لأن هذين الشخصين قد وصلا إلى المنزل، فَهِما أنه قد أعطاهما وقته، فأعطياه حينها وقتهما، وقدّما له كرم الضيافة. يشير هذا الاصغاء المتنبّه والمجّاني إلى المكانة التي يكنّها الشخص الآخر لنا، أبعد من أفكاره وخيارات حياته.

293.     الحساسية الثانية أو الاعتبار الثاني هي التمييز. أي فهم النقطة الصحيحة التي يتمّ فيها تمييز النعمة عن التجربة. لأن الأمور التي تجري في خيالنا تكون أحيانًا مجرّد تجربة تبعدنا عن طريقنا الحقيقي. وهنا يجب أن أسأل نفسي ما الذي يقوله لي هذا الشخص بالضبط، وما يريد أن يقوله لي، وما يريد أن أفهمه ممّا يحدث له. إنها أسئلة تساعد على فهم كيفيّة ارتباط الموضوعات التي توثّر بالآخر وعلى الشعور بوزن وإيقاع مشاعره التي تتأثّر بهذا المنطق. يهدف هذا الاصغاء إلى تمييز كلمات الروح الصالح الخلاصيّة، الذي يقترح علينا حقيقة الربّ، ولكن أيضًا مصائد الروح الشرير، وخداعه، وإغراءاته. يجب أن تكون لدينا الشجاعة والمودّة والرقّة اللازمة لمساعدة الآخرين على إدراك الحقيقة والخداع أو الذرائع.

294.     أمّا الحساسيّة أو الاعتبار الثالث فهو الاصغاء إلى الحوافز التي تدفع بالآخر “إلى الأمام”. أي الاصغاء العميق إلى “حيث يريد الذهاب حقًا”. بغض النظر عمّا يشعر به ويفكّر به في الوقت الحاضر، وعمّا فعله في الماضي، يجب إيلاء الاهتمام لما يريد أن يكون. ويتطلّب هذا أحيانًا ألّا يتطلّع الشخص كثيرًا إلى ما يحبّه، إلى رغباته السطحية، إنما بالأكثر إلى ما يرضي الربّ، ومشروعه لحياته الذي يظهر في ميل القلب، أبعد من “سطحيّة” الأذواق والمشاعر. هذا الاصغاء هو الانتباه إلى النيّة النهائية، التي هي ما يقرّر الحياة في النهاية، لأن هناك شخص مثل يسوع يفهم ويقدّر هذه النيّة النهائية للقلب. هذا هو السبب في أنه مستعدّ دائمًا لمساعدة الجميع على إدراكها، ولهذا السبب يكفي أن يقول له أحدهم: “يا ربّ، نجّني! ارحمني!”.

295.     عندها فقط يصبح التمييز أداة التزام قويّ لاتّباع الربّ على نحو أفضل[161]. وتكتسب الرغبة في التعرّف على الدعوة الشخصيّة، بهذه الطريقة، قوّة عظيمة، وجودة مختلفة، ومستوى أعلى، تتناسب بشكل أفضل مع كرامة الحياة الشخصية. لأن التمييز الجيّد، في النهاية، هو مسيرة حرّية تنير الواقع الفريد لكلّ شخص، تلك الحقيقة التي يملكها، والتي هي شخصيّة، والتي وحده الله يعلمها. لا يمكن للآخرين أن يفهموا تمامًا ولا أن يتوقّعوا من الخارج كيف ستتطوّر.

296.     لذلك، عندما يصغي المرء إلى الآخر بهذه الطريقة، يجب أن يختفي في مرحلة معيّنة ليسمح له بمتابعة المسار الذي اكتشفه. يختفي كما يختفي الربّ من أنظار تلميذيه، تاركا إياهما وحدهما مع لهف القلب الذي يتحوّل إلى دافعٍ للانطلاق لا يمكن مقاومته (را. لو 24، 31- 33). وعند عودتهما إلى الجماعة، ينال تلميذا عمّاوس التأكيد بأن الربّ قد قام حقًا (را. لو 24، 34).

297.     نظرًا لأن “الزمن أسمى من المساحة” [162]، يجب علينا تحفيز ومرافقة المسارات، لا فرضها. وهي مسارات أشخاص هم دومًا فريدون ومتحرّرون. لهذا السبب، يصعب بناء وصفات، حتى عندما تكون جميع العلامات إيجابية، لأنه “علينا أن نخضع الإيجابيات نفسها لتمحيص دقيق لئلا نعزلها عن بعض ولا نناقضها بعضها ببعض، كما لو كانت مطلقيّات متناقضة: وكذلك السلبيات يجب ألّا ننبذها جملة وبلا تمييز، ففي كلّ منها قد تكمن تبرة تنتظر من يحرّرها ويعيد إليها نصاعتها الكاملة”[163].

298.     لكن كي نرافق الآخرين في هذه المسيرة، من الضروري أوّلًا وقبل كلّ شيء أن نكون مدرّبين جيدًا على القيام به بشكل شخصيّ. هذا ما فعلته مريم، عبر مواجهة أسئلتها وصعوباتها الشخصيّة عندما كانت صغيرة جدًا. عساها أن تجدّد شبابك بقوّة صلاتها وترافقك دائمًا بحضورها الوالديّ.

* * *

وفي الختام… أمنية

299.     أعزّائي الشبيبة، سوف أكون سعيدًا برؤيتكم تركضون أسرع من أولئك البطيئين والخائفين. اركضوا “منجذبين بذاك الوجه الحبيب، الذي نعبده في القربان المقدّس ونراه في جسد الأخ المعذّب. إن الروح القدس يدفعكم في هذا السباق إلى الأمام. والكنيسة تحتاج إلى اندفاعكم، وحدسكم، وإيمانكم. إننا بحاجة إليها! وعندما تصلون إلى حيث لم نصِل بعد، فاصبروا وانتظرونا”[164].

لوريتو، قرب البيت المقدّس،

يوم 25 مارس/آذار 2019، عيد البشارة،

في العام السابع من حبريتي

فرنسيس

فهرس

* * * * *

©جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2019

[1] نفس الكلمة اليونانية التي تترجم بـ “جديد” تستخدم للتعبير عن “الشباب”.

[2]  الاعترافات، X، 27: الآباء اللاتين 32، 795.

[3] القدّيس إيرينيئوس، ضد الهرطقات، II، 22، 4: الأباء اليونانيين 7، 784.

[4]الوثيقة الختامية للجمعية العامة الاعتيادية الخامسة عشرة لسينودس الأساقفة، 60. سيتم الاستشهاد بهذا المستند من الآن فصاعدا بالاسم المختصر و.خ..

[5]التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عدد 515.

[6]نفس المرجع، عدد 517.

[7]  المقابلة العامة (27 يونيو/حزيران 1990)، 2 – 3: تعاليم 13، 1 (1990)، 1680- 1681.

[8] الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس فرح الحب (19 مارس/آذار 2016)، 182: أعمال الكرسي الرسولي 108 (2016)، 384.

[9] و.خ.، عدد 63.

[10] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، رسالة إلى البشرية: إلى الشبيبة (8 ديسمبر/كانون الأول 1965): أعمال الكرسي الرسولي 58 (1966)، 18.

[11]نفس المرجع.

[12]و. خ.، عدد 1.

[13]نفس المرجع، 8.

[14]نفس المرجع، 50.

[15]نفس المرجع، 53.

[16] را. المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي في الوحي الإلهي كلمة الله، عدد 8.

[17]و. خ.، عدد 150.

[18]كلمة قداسة البابا فرنسيس خلال السهرة مع الشبيبة في اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (26 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 6.

[19]صلاة في ختام مسيرة درب الصليب مع الشبيبة في اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (25 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 27 يناير/كانون الثاني 2019، 12.

[20]و. خ. عدد 65.

[21]نفس المرجع، عدد 167.

[22] القديس يوحنا بولس الثاني، كلمة البابا إلى الشبيبة في تورينو (13 أبريل/نيسان 1980)، 4: تعاليم 3، 1 (1980)، 905.

[23] بندكتس السادس عشر، رسالة البابا بمناسبة اليوم العالمي السابع والعشرين للشبيبة (15 مارس/آذار 2012): أعمال الكرسي الرسولي 104 (2012)، 359.

[24] و. خ. عدد 8.

[25]نفس المرجع.

[26]نفس المرجع، عدد 10.

[27]نفس المرجع، عدد11.

[28]نفس المرجع، عدد 12.

[29]نفس المرجع، عدد41.

[30]نفس المرجع، عدد42.

[31]كلمة البابا للشبيبة في مانيلا (18 يناير/كانون الثاني 2015): أوسيرفاتوري رومانو، 19- 20 يناير/كانون الثاني 2015، 7.

[32] و. خ. عدد 34.

[33]وثيقة الاجتماع التحضيري ما قبل السينودس للجمعية العامة الاعتيادية الخامسة عشرة لسينودس الأساقفة، روما (24 مارس/آذار 2018)، I، 1.

[34]و. خ. عدد 39.

[35]نفس المرجع، 37.

[36] را. الرسالة العامة كن مسبحا (24 مايو/أيار 2015)، 106: أعمال الكرسي الرسولي 107 (2015)، 889- 890.

[37]و. خ. عدد 37.

[38]نفس المرجع، 67.

[39]نفس المرجع، عدد 21.

[40]نفس المرجع، عدد 22.

[41]نفس المرجع، عدد 23.

[42]نفس المرجع، عدد 24.

[43]وثيقة الاجتماع التحضيري ما قبل السينودس للجمعية العامة الاعتيادية الخامسة عشرة لسينودس الأساقفة، روما (24 مارس/آذار 2018)، I،4.

[44]و. خ. عدد 25.

[45]نفس المرجع.

[46]نفس المرجع، عدد 26.

[47]نفس المرجع، عدد 27.

[48] نفس المرجع، عدد 28.

[49] نفس المرجع، عدد 29.

[50]كلمة البابا في ختام اللقاء حول “حماية القاصرين في الكنيسة” (24 فبراير/شباط 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 25- 26 فبراير/شباط 2019، 10.

[51]و. خ. عدد 29.

[52]رسالة إلى شعب الله (20 أغسطس/آب 2018)، 2: أوسيرفاتوري رومانو، 20- 21 أغسطس/آب 2018، 7.

[53]و. خ.، عدد 30.

[54]كلمة البابا فرنسيس بمناسبة افتتاح الجمعية العامة الاعتيادية الخامسة عشرة لسينودس الأساقفة (3 أكتوبر/تشرين الأول 2018): أوسيرفاتوري رومانو، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2018، 8.

[55]و. خ.، عدد 31.

[56]نفس المرجع.

[57] المجمع المسكوني الفاتيكاني لثاني، الدستور الرعوي فرح ورجاء، حول الكنيسة في العالم المعاصر، عدد 1.

[58]و. خ. عدد 31.

[59]نفس المرجع، عدد 31.

[60]كلمة البابا خلال القاء حول “حماية القاصرين في الكنيسة” (24 فبراير/شباط 2019): ): أوسيرفاتوري رومانو، 25- 26 فبراير/شباط 2019، 11.

[61] فرانسيس لويس بيرنارديز، «سونيتو»، في Cielo de tierra، بوينس آيرس، 1937.

[62] الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 140.

[63]عظة قداسة البابا خلال القداس الإلهي بمناسبة اليوم العالمي للشبيبة في كراكوف (31 يوليو/تموز 2016): أعمال الكرسي الرسولي 108 (2016)، 923.

[64]كلمة قداسة البابا خلال حفلة الاستقبال وافتتاح اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (24 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 26 يناير/كانون الثاني 2019، 12.

[65] الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، 1: أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1019.

[66]نفس المرجع، عدد 1020.

[67]كلمة قداسة البابا فرنسيس خلال السهرة مع الشبيبة في اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (26 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 6.

[68]كلمة البابا خلال اللقاء مع الشبيبة أثناء السينودس في قاعة بولس السادس (6 أكتوبر/تشرين الأول 2018): أوسيرفاتوري رومانو، 8- 9 أكتوبر/تشرين الأوّل 2018، 7.

[69] بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة الله محبة (25 ديسمبر/كانون الأول 2005)، 1: أعمال الكرسي الرسولي 98 (2006)، 217.

[70] بيدرو أروبي، إعشق.

[71] القديس بولس السادس، كلمة بمناسبة تطويب نونسيو سولبريتسيو (1 ديسمبر/كانون الأول 1963): أعمال الكرسي الرسولي 56 (1964)، 28.

[72]و. خ. عدد 65.

[73]عظة خلال القداس مع الشبيبة في سيدني (2 ديسمبر/كانون الأول 1970): أعمال الكرسي الرسولي 63 (1971)، 64.

[74]  الاعترافات، I، 1، 1، الأباء اللاتين 32، 661.

[75]الله شابّ، محادثة مع توماس ليونتشيني، ميلانو 2018، 16.

[76] و. خ.، عدد 68.

[77]كلمة إلى الشبيبة في كالياري (22 سبتمبر/أيلول 2013): أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 904- 905.

[78]خمسة أرغفة وسمكتان: شهادة إيمان فرحة من المعاناة في السجن، ميلانو 2014، 16.

[79] مجلس الأساقفة السويسريين، لنأخذ الوقت: من أجلك، من أجلي، من أجلنا، 2 فبراير/شباط 2018.

[80] را. القدّيس توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية II- II، س 23، م 1.

[81]كلمة قداسة البابا لمتطوعي اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (27 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28 – 29 يناير/كانون الثاني 2019، 11.

[82] القدّيس أوسكار روميرو، عظة (6 نوفمبر/تشرين الثاني 1977): فكره، I- II، سان سلفادور 2000، 312.

[83]كلمة قداسة البابا خلال حفلة الاستقبال وافتتاح اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (24 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 26 يناير/كانون الثاني 2019، 12.

[84] را. اللقاء مع الشبيبة في ضريح مايبو الوطني، سنتياغو، تشيلي (17 يناير/كانون الثاني 2018): أوسيرفاتوري رومانو، 19 يناير/كانون الثاني 2018، 7.

[85] را. رومانو غوارديني، مراحل الحياة، في مجموعة الأعمال IV، 1، مورتشيليانا، بريشيا 2015، 209.

[86] الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 11.

[87]نشيد روحي القسم الثاني، المقدمة، 2.

[88]نفس المرجع، XIV- XV، 2.

[89] مجلس أساقفة رواندا، رسالة الأساقفة الكاثوليك للمؤمنين خلال السنة الخاصة للمصالحة في رواندا، كيغالي (18 يناير/كانون الثاني 2018)، 17.

[90]تحية البابا للشبيبة في مركز الأب فيليكس فاريلا الثقافي في هافانا (20 سبتمبر/أيلول 2015): أوسيرفاتوري رومانو، 21- 22 سبتمبر/أيلول 2015، 6.

[91]و. خ. عدد 46.

[92]كلمة قداسة البابا عشية اليوم العالمي الثامن والعشرين للشبيبة، ريو دي جانيرو (26 يوليو/تموز2013): أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 663.

[93]أنتم نور العالم، كلمة البابا في سيرو سان كريستوبال، شيلي، 1940:

    https://www.padrealbertohurtado.cl/escritos-2/

[94]عظة قداسة البابا خلال القداس بمناسبة اليوم العالمي الثامن والعشرين للشبيبة، ريو دي جانيرو (28 يوليو/تموز2013): أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 665.

[95] مجلس أساقفة كوريا، الرسالة الرعوية بمناسبة الذكرى المائة والخمسين للاستشهاد خلال اضطهاد بيونغ إن (30 مارس/آذار 2016).

[96]عظة قداسة البابا فرنسيس خلال القداس بمناسبة اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (27 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 12.

[97] صلاة “يا ربْ استعملني لسلامِكَ”، المنسوبة إلى القديس فرنسيس الأسيزي.

[98]كلمة قداسة البابا خلال سهرة الصلاة بمناسبة اليوم العالمي الثامن والعشرين للشبيبة في ريو دي جانيرو (26 يوليو/تموز2013): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 6.

[99]و. خ.، عدد 14.

[100] الرسالة العامة كن مسبحا (24 مايو/أيار 2015)، 145: أعمال الكرسي الرسولي 105 (2015)، 906.

[101]رسالة البابا المصوّرة بمناسبة اللقاء العالمي لشبيبة السكان الأصليين في بنما (17- 21 يناير/كانون الثاني (2019): أوسيرفاتوري رومانو، 19 يناير/كانون الثاني 2019، 8.

[102]و. خ.، عدد 35.

[103]رسالة إلى الشبيبة، I، 2: الأباء اليونانيين 31، 566.

[104] را. حكمة السنين، حوار مع البابا فرنسيس حول المسائل الكبرى في الحياة، أنطونيو سبادارو، البندقية 2018.

[105]نفس المرجع، 12.

[106]نفس المرجع، 13.

[107]نفس المرجع.

[108]نفس المرجع.

[109]نفس المرجع، 162- 13.

[110] إدواردو بيرونيو، رسالة إلى شبيبة الأرجنتين خلال اللقاء الوطني للشبيبة في قرطبة (12- 15 سبتمبر/أيلول 1985)، 2.

[111]و. خ.، عدد 123.

[112]جوهر المسيحية، برشيا 1984، 12.

[113]عدد 165: أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1089.

[114]كلمة البابا أثناء زيارته إلى منزل عائلة “السامري الصالح” في بنما، (27 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 10.

[115]و. خ.، عدد 36.

[116] الدستور الرسولي فرح الحقيقة Veritatis Gaudium (8 ديسمبر/كانون الأول 2017)، 4: أعمال الكرسي الرسولي 110 (2018)، 7 – 8.

[117]كلمة البابا أثناء اللقاء مع الطلاب والعالم الأكاديمي في ساحة سان دومينيكو في بولونيا، (1 أكتوبر/تشرين الأول 2017): أعمال الكرسي الرسولي 109 (2017)، 1115.

[118]و. خ.، عدد 51.

[119]نفس المرجع، 47.

[120]عظة 256، 3: الآباء اللاتين 38، 1193.

[121]و. خ.، عدد 47.

[122] كلمة البابا لوفد “الأولمبياد الخاص الدولي” (16 فبراير/شباط 2017): أوسيرفاتوري رومانو، 17 فبراير/شباط 2017، 8.

[123]رسالة إلى الشبيبة، VIII، 11- 12: الآباء اليونان 31، 580.

[124] مجلس الأساقفة الأرجنتيني، إعلان سان ميغيل، بوينوس أيريس، 1969، X، 1.

[125] رافاييل تيلّو، التبشير الجديد، المجلد II (الملحقين Iو II)، بوينوس أيريس، 2013، 111.

[126]الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، 44 – 45: أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1038 – 1039.

[127]و. خ.، عدد 70.

[128]نفس المرجع، 117.

[129]نفس المرجع، 4.

[130] الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، 124: أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1072.

[131] نفس المرجع، 122: 1071.

[132]و. خ.، عدد 9.

[133]وثيقة الاجتماع التحضيري ما قبل السينودس للجمعية العامة الاعتيادية الخامسة عشرة لسينودس الأساقفة، روما (24 مارس/آذار 2018)، 12.

[134]نفس المرجع.

[135]و. خ.، عدد 15.

[136] الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 2.

[137] الدستور العقائدي نور الأمم، 11.

[138]كلمة قداسة البابا خلال السهرة الصلاة بمناسبة اليوم العالمي الرابع والثلاثين للشبيبة في بنما (26 يناير/كانون الثاني 2019): أوسيرفاتوري رومانو، 28- 29 يناير/كانون الثاني 2019، 6.

[139]الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، 273: اعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1130.

[140] القديس بولس السادس، الرسالة العامة ترقي الشعوب (26 مارس/آذار 1967)، 15: أعمال الكرسي الرسولي 59 (1967)، 265.

[141] القديس ألبيرتو هورتادو اليسوعي، تأمل في أسبوع الآلام للشبيبة، كتبه على متن سفينة شحن، عائدا من الولايات المتحدة 1946

    https://www.padrealbertohurtado.cl/escritos-2/

[142] لقاء مع شبيبة محافظة الأمبريا في أسيزي (4 أكتوبر/تشرين الأول 2013): أعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 921.

[143] الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس فرح الحبّ (19 مارس/آذار 2016)، 150: أعمال الكرسي الرسولي 108 (2016)، 369.

[144]مقابلة مع شبيبة أبرشية غرونوبل-فيينا، فرنسا (17 سبتمبر/أيلول 2018): أوسيرفاتوري رومانو، 19 سبتمبر/أيلول 2018، 8.

[145]و. خ.، عدد 32.

[146]لقاء مع متطوعي اليوم العالمي الثامن والعشرين للشباب في ريو دي جانيرو (28 يوليو/تموز 2013): تعاليم، 1، 2 (2013)، 125.

[147] مجلس الأساقفة الكولومبي، رسالة مسيحية حول الزواج (14 مايو/أيار 1981).

[148] مجلس أساقفة الولايات المتحدة، أبناء وبنات النور: خطة عمل لرعوية الشبيبة البالغين، 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1996، I، 3.

[149] الرسالة العامة كن مسبّحًا (24 مايو/أيار 2015)، 128: أعمال الكرسي الرسولي 107 (2015)، 898.

[150]نفس المرجع، 125: 897.

[151]و.خ.، عدد 40.

[152] الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 167.

[153]نفس المرجع، 168.

[154]نفس المرجع، 170.

[155]و. خ.، عدد 108.

[156]نفس المرجع.

[157]الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 171.

[158]نفس المرجع، 172.

[159]كلمة البابا بمناسبة سهرة الصلاة استعدادا لليوم العالمي الرابع والثلاثون للشبيبة، في بازليك القديسة مريم العظمى، (8 أبريل/نيسان 2017): أعمال الكرسي الرسولي 109 (2017)، 447.

[160] رومانو غوارديني، مراحل الحياة، معناها التربوي والأخلاقي، ميلانو 1986، 28.

[161]الإرشاد الرسولي افرحوا وابتهجوا (19 مارس/آذار 2018)، 169.

[162]الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013)، 222: اعمال الكرسي الرسولي 105 (2013)، 1111.

[163] يوحنا بولس الثاني، الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس أُعْطيكم رُعاةً (25 مارس/آذار 1992)، 10: أعمال الكرسي الرسولي 84 (1992)، 672.

[164]لقاء وصلاة مع الشبيبة الإيطاليين في تشيركو ماسّيمو في روما (11 أغسطس/آب 2018): أوسيرفاتوري رومانو، 13- 14 أغسطس/آب 2018، 6.